فهرس الكتاب
ثم يتبع الزلزال قيام النَّاس من القبور: {يومئذٍ يَصْدُرُ النَّاس أشتاتًا} فنرى مشهدهم أنواعًا وأصنافًا وفرقًا منبعثة من أرجاء الأرض: {خُشَّعًا أَبصارُهُم يخرجون مِن الأجداثِ كأنَّهم جرَادٌ منتشر} (54 القمر آية 7) وهو مشهد لا عهد للإنسان به من قبل، مشهد الخلائق في أجيالها جميعًا تنبعث من هنا وهناك، ممدودة رقابهم، شاخصة أبصارهم، إنه مشهد لا تعبِّر عن صفته لغة البشر. فهاهم أولاء ذاهبون إلى حيث تُعرض عليهم أعمالهم، ليواجهوها ويواجهوا جزاءها، يسيرون إلى ساحة العدل الإلهي، فبعضهم يستخفُّهم السرور فيتسارعون إلى لقاء ربِّهم بسبب أعمالهم الخيِّرة، وبعضهم يتثاقلون إلى الأرض يحملون عبء أوزارهم وذنوبهم الَّتي تكاد أن تسحقهم، ويجرُّون أذيال الخيبة والندم في الطريق إلى المحاكمة الربانيَّة، حيث لا يغرب عن ربِّك مثقال ذرَّة مما عملوا. ونتوقَّف قليلًا عند لفظة {ذرَّة} حيث كان المفسِّرون القدامى يقولون إنها الهباءة، الَّتي تُرى في ضوء الشمس، فقد كان هذا أصغر ما يتصوَّرون من لفظ الذرَّة، ونحن الآن نعلم أن الذرَّة شيء محدَّد يحمل هذا الاسم، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة الَّتي ترى بالعين المجردة، فهذه أو ما يشبهها من المثاقيل من خير أو شرٍّ، تُحضر ويراها صاحبها، ويجد جزاءها. فلا يحقرنَّ الإنسان شيئًا من عمله، خيرًا كان أو شرًا، ولا يقولنَّ هذه صغيرة لا حساب عليها ولا وزن لها، إنما يرتعش وجدانه، أمام كلِّ عمل من أعماله، ارتعاشة ذلك الميزان الدقيق الَّذي ترجح به الذرَّة نحو كفَّة الحسنات أو السيئات.