فهرس الكتاب
وهنا تشتدُّ الحاجة إلى مهمَّة الأنبياء والمرشدين، والَّتي تتمثَّل في إيقاد شعلة الحياة في القلوب، ليستيقظ حسُّها الإنساني وشعورها بالله، وبالتالي لتقود النفس ـ بجملة أهوائها ورغباتها ـ في طريق متوازنة معتدلة وفق تعاليم الشريعة المطهَّرة. وسبيلهم إلى ذلك هو تلقيح أرواح المؤمنين بنور الإيمان الحقيقي المثمر، القادر على الإنتاج والعطاء.
فالإيمان هو الَّذي أحيا نفوس المؤمنين الأوائل، وطهَّرها من الحسد والحقد، والكِبْر والعُجْب، وزكَّاها من الفسق والظلم، والقسوة والأنانية. وهو الَّذي حفز هممهم، فطلبوا معالي الأمور، ووطَّنوا أنفسهم على العمل الدؤوب لهداية الأمم وتحريرها من الخرافات، وتطهير الأرض من الكفر والفساد. وهو الَّذي مكَّن المسلمين الأوَّلين من الظفر بالعلم والعمل والابتكار والإبداع، وإقامة الحضارة الَّتي شعَّ نورها في الآفاق، وعمَّ خيرها مشارق الأرض ومغاربها، في مدَّة زمنيَّة قياسية لم تتجاوز القرن. قال أحد المؤرخين الأوربيين: [إن مَلَكة الإبداع لا يتمُّ تكوينها لأمَّة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال، أوَّلها: جيل التقليد، وثانيها: جيل الخضرمة، وثالثها: جيل الاستقلال والاختصاص، إلا العرب وحدهم، فقد استحكمت لهم ملكة الإبداع في الجيل الأوَّل الَّذي بدؤوا فيه بمزاولتها] .