الصفحة 1291 من 1412

وأمَّا من أوتي كتابه بشماله، وعرف أنه مؤاخذ بسيئاته، وأن إلى العذاب مصيره، فيقف في هذا اليوم الحافل الحاسر، وقفة المتحسِّر الكسير الكئيب، منظره يدمي القلوب، ويفجِّر الأسى من شدَّة لوعته وألمه، فهاهو ذا يندب اللحظات الَّتي وقف فيها للحساب متمنِّيًا لو أنها لم تكن، ويندب أمواله الَّتي لم ينفقها في مرضاة الله، وسلطانه الَّذي لم يستعمله لإحقاق الحقِّ وإسعاد الخلق؛ ويقول: ياليت المِيْتَةَ الأولى الَّتي متُّها في الدُّنيا، كانت القاضية والقاطعة لحياتي، فلم أُبعث بعدها ولم أُعذَّب. وما هي إلا لحظات حتَّى يُكبَّل بالسلاسل والأغلال، ويُساق إلى سوء المصير، فقد كان يكفر بمثل هذا اليوم، وما قَدَرَ الله حقَّ قدرهِ، بل عاث في الأرض فسادًا، فلا صديق اليوم يؤنسه، ولا طعام يقيم أوده، بل هو الموت الزُّؤام يصيبه في كلِّ لحظة، وفي كلِّ حين، وهذا العذاب لقاء ما جنته يداه، والله خير العادلين. وتجسيدًا للموقف الرهيب، وإدخالًا للرعب في قلب هذا الطاغية، تذكر الآية أن طول السلسلة الَّتي يُقيَّد بها سبعون ذراعًا؛ وذراع واحدة من سلاسل النَّار تكفيه، ولكنَّ إيحاءً بالتطويل والتهويل يلوح من وراء لفظ السبعين، ولعلَّ هذا الإيحاء هو المقصود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت