الصفحة 1293 من 1412

إذا كانت التقنيات الحديثة اليوم قد توصلت إلى اختزان معلومات واسعة، ضمن أقراص صغيرة جدًا تسمى (ديسكات) ، بحيث يمكن استخراج هذه المعلومات منها على جهاز الحاسوب خلال ثوان قليلة، فليس من المستغرب أن يكون الله تعالى ـ ربُّ العزَّة وخالق الأكوان ـ قد أوجد للإنسان مَخزنًا وقُرْصًا، يحتفظ فيه بجميع أعماله وخواطره وعلاقاته مع الآخرين، وربَّما كان العقل البشري نموذجًا مُصغَّرًا لهذه السجلات الربَّانية. ثمَّ تعمل الأجهزة الإلهية على نشر هذه المعلومات، صوتًا وصورة، يوم القيامة، ليشاهد الإنسان نفسه بنفسه، حيث لا مفرَّ من الحقائق المسجَّلة عليه. والغاية من تذكير العبد بقدرة الله عليه هي أن يراقب تصرَّفاته، ويحسِّن سلوكه نحو الأفضل والأقوم، فالمحاسبة الإلهية دقيقة للغاية بحيث لا تتداخل السيئات والحسنات، بل تُفرز الأعمال ثمَّ يثاب المرء على أعماله الصالحة أو يعاقب على تقصيره وإساءته، دون مواربة أو محاباة. أخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله تعالى: يابن آدم بسطنا لك صحيفة، ووُكِّل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك، فأمَّا الَّذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأمَّا الَّذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلِل أو أكثِر، حتَّى إذا مِتَّ طُويتْ صحيفتك، فجُعلتْ في عنقك معك في قبرك حتَّى تخرجَ يوم القيامة، كتابًا تلقاه منشورًا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا» .

فكلُّ إنسان يحاسَبُ عن نفسه، وعمَّا اقترفت يداه، فمن اهتدى فثواب هدايته له، ومن ضلَّ فعقاب ضلاله عليه. ولا يُحاسب إنسان عن إنسان، ولا يحمل إنسان وزر إنسان، كما قال تعالى: {..ولا تزرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى..} (39 الزمر آية 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت