الصفحة 134 من 1412

وفي قوله تعالى: {إنَّ الَّذين قالوا رَبُّنا الله ثمَّ استقاموا تتنزَّلُ عليهمُ الملائِكَةُ ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنَّةِ الَّتي كنتم تُوعَدون * نحن أوليَاؤكُم في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسُكُم ولكم فيها ما تدَّعون} (41 فصلت آية 30ـ31) تتجلَّى ثمرة الاستقامة على صراط الله وهدْيه، بأروع صورة وأكمل وجه؛ فحين يتواضع الإنسان لخالقه ويَسلُكُ نفسه في عِداد خَدَمهِ، ويوقِّع عقد الالتزام بذلك، تُفتح عليه بركات من السماء والأرض، فيتكفَّل الله بقضاء مصالحه الدنيويَّة بما فيها الحفظ والحراسة، والمعونة والنُّصرة، وإيصال الخيرات ودفع البليَّات، أمَّا في الآخرة فيبشِّره بالجنَّة دار السلام، الَّتي يأمن مَنْ دخلها من العذاب، وهكذا يكون الله وليَّه في الدنيا والآخرة. ولفظ (الولي) يوحي بالقرب والرابطة الوثيقة بين الله عزَّ وجل ـ الوكيل ـ وبين مَن تولاه مِن خلقه وتوكَّل عليه. وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة، ولكن بالشَّرَف والعلوِّ والرتبة، ولسنا نرى درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة، ولا تشريفًا أعظم من هذا التشريف! فإذا واظب الإنسان على أعمال البرِّ والطاعة، ظهرت آثارها في جوهر النفس، لذلك كان لابُدَّ للمؤمن من القيام بالعمل المثمر البنَّاء، لأنه لا أجر ولا ثواب مع التواكل والكسل. كما أنه لابُدَّ من الحذر إلى جانب العمل، من كلِّ عقبة تعترض طريق المؤمن، في الوصول إلى مرضاة الله، ولاسيَّما الحذر من أشدِّ أعداء المؤمن خصومة، وهو الشيطان، الَّذي يقف على جانبي طريق الهداية، مترصِّدًا بكلِّ سالكيه، لمحاولة الإيقاع بهم وصرفهم عن الطريق بعد سلوكه. ولهذا ستكون لنا وقفة مع هذا العدو المبين في الفصل التالي، لندرك مدى عداوته لنا، ونتعرَّف الطرق الَّتي ننتصر بها عليه، فلا يكون له سلطان علينا بإذن الله.

الفصل الثالث:

عدوُّ الهداية (الشيطان الرَّجيم)

سورة البقرة (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت