فهرس الكتاب
الموازين العادلة الَّتي يفيء إليها المختلفون، ويطلقون الكلمة الفصل الَّتي تحسم الجدال والخصام.
وإذا فَهِمَ بعضهم من ظاهر الآية (موضوع البحث) أن اختلاف الناس كان بسبب تعدُّد الشرائع السماوية، فإن الحقيقة هي خلاف ذلك. لأن الدِّين واحد بما يعنيه، وبما يدعو إليه من العلم والعقل والروح والتزكية، فهو يؤلِّف ولا يُفرِّق، ويوحِّد ولا يمزِّق، ولاسيَّما حين يكون متمكِّنًا في الصدور، نظيفًا في السطور، لم يطرأ عليه تحريف أو تشويه. ولكنَّ النفوس حين تنحرف وتنزلق في مهاوي الضلال والغواية، فإنها لا تتورَّع أبدًا عن استخدام كلِّ الوسائل الممكنة لخدمة أهوائها، بما في ذلك إساءة فهم الدِّين، ولو أنها لم تجد في الدِّين مَرْكَبًا لركبت غيره من الوسائل والسُّبُل.
والدليل على أنَّ الاختلاف لم يكن يومًا بسبب تعدُّد الرسالات السماوية، هو أنَّ التاريخ قد سجَّل لنا خلافات دامية قد وقعت بين أتباع الديانة الواحدة، فتمزَّقوا شيعًا وأحزابًا، كلُّ فريق يعادي الفِرَقَ الأخرى، ويتحيَّن الفرص للإيقاع بها، وهو يعتقد ـ بدافع من التعصُّب والجهل ـ بأنه وحده على بيِّنة وصواب؛ فلا يدرك الأبعاد الحقيقية لآراء العلماء المخلصين واجتهاداتهم، ويذهب إلى تفضيل بعضهم على بعض، مدفوعًا بأحد أمرين: إمَّا بِنِيَّةٍ حسنة وتحت تأثير اختلاف تفسيرهم وتأويلهم لمفاهيم الدِّين، وإمَّا بنيَّة سيئة، انقيادًا لأهوائه وميوله.