فهرس الكتاب
ثمَّ يعلِّم الله نبيَّه دوام ذكره، وشكر نعمه فيقول له: إذا صَعِدْتَ السفينة أنت ومن معك من المؤمنين، فاحمدوا الله الَّذي نجَّاكم من الظَّالمين، وباعد بينكم وبينهم، وجعل لكم الخلافة في الأرض من بعدهم. فامتثل نوح عليه السَّلام لأمر ربِّه حُبًّا وعرفانًا، وردَّد ما أوحى إليه من ثناء فقال: {الحمدُ لله الَّذي نجَّانا من القومِ الظَّالمين} . فلما أوشكت السفينة أن تستوي قريبًا من الجبل، دعا ربَّه قائلًا: ربِّ أنزلني مُنْزَلًا مباركًا، يحفظني ومن معي، من كلِّ سوء وشرٍّ، فأنت خير المنزلين لأوليائك، وخير الحافظين لعبادك. فعلى هذه الصورة يكون الحمد والشكر، وهكذا يوصف سبحانه بصفاته، ويُعْتَرَفُ له بآياته، وهكذا يتأدَّب العباد مع حضرته وفي طليعتهم النبيُّون، ليكونوا أسوة للآخرين في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم. وفي تفسير هذه الآيات قال قتادة: علَّمكم الله أن تقولوا حين ركوب السفينة: {..باسْمِ الله مَجراها ومُرسَاها..} (11 هود آية 41) وحين ركوب الدابَّة: {..سبحانَ الَّذي سخَّرَ لنا هذا وما كُنَّا له مُقْرِنِيْن} (43 الزخرف آية 13) وحين النزول: {وقلْ ربِّ أَنْزِلني مُنْزَلًا مُباركًا وأنتَ خيرُ المُنزِلين} (23 المؤمنون آية 29) .
فهذه مقتطفات من قصة حياة نبي الله نوح... وهي قصة حُفظت في ذاكرة التاريخ، ونُقلت لسائر البشريَّة وعلى مرِّ العصور، وحظيت باهتمام الكثيرين من الأدباء وعلماء الآثار ووسائل الإعلام. كما تركت انطباعاتها في الأجيال قديمًا وحديثًا، إلا أن خير انطباع لها، وأعظم أثر ينبغي أن تخلِّفه وتطبعه فينا، إنَّما هو الإيمان بقدرة الله تعالى على كلِّ شيء، وأنه بالمرصاد لكلِّ ظالم معاند، فإذا ما أمهل قومًا فلا يعني أنه أهملهم، بل لكلِّ أمَّة أجل ولكلِّ أجل كتاب، والوعد منه بنصرة المؤمنين قائم ومتحقِّق ولا يُخلِف الله الميعاد.
إبراهيم عليه السَّلام
سورة الأنعام (6)