الصفحة 162 من 1412

وهذه الفطرة، هي الَّتي تجذب الإنسان نحو خالقه الَّذي خلقه وخلق الأكوان وما فيها، وهي الَّتي تدفعه إلى الإيمان به، وإلى اليقين بأن حياته في هذا الكون، ما هي إلا مقدِّمة لحياة أبديَّة خالدة في عالم آخر، تُردُّ فيه المخلوقات إلى ربِّها؛ فتجد عنده ما ضاع منها في حياتها الأولى. ومثل هذه الحقيقة يتمكَّن من إدراكها والإيمان بها كلُّ من أوتي فكرًا سليمًا، ونظرًا صائبًا. فهي كامنة في أصل الفطرة الَّتي فطر الله الإنسان عليها، ليعرفه ويجتهد في البحث عنه والوصول إليه، ولينعم بالسَّعادة الَّتي لا يجدها إلا في التَّعاليم الإلهيَّة الملائمة للفطرة، وعلى رأس هذه التعاليم توحيد الله وإفراده بالعبوديَّة والتمجيد. فالتوحيد أسمى غايات المعرفة؛ على أساسه تقوم التكاليف، وحول محوره تدور رحى الرسالات السماوية، ومنه انطلق الأنبياء في دعوتهم للبشرية، وفي مقدِّمتهم إبراهيم عليه السَّلام الَّذي وردت قصته في القرآن الكريم بإسهاب وتفصيل، شمل جوانب عديدة من حياته، فكان نموذجًا مثاليًّا للبشريَّة؛ في إيمانه بالله وتوحيده له، ذلك الإيمان الَّذي ارتقى به إلى أعلى المقامات والرُّتب، حتَّى صار (خليل الله) فكُشف له عن ملكوت السموات والأرض، فرآهما عيانًا، فازداد بالله يقينًا، ولقدرته وعظمته إكبارًا {..وكذلك نُري إبراهيمَ مَلكوتَ السَّمواتِ والأَرضِ وَلِيكون من المُوقِنين} .

والآيات الكريمة الَّتي نتناولها في بحثنا هذا، تعطينا صورة من بدايات حياة إبراهيم عليه السَّلام الَّتي كانت تأمُّلًا عميقًا للحياة والأحياء من حوله، ورؤية ثاقبة لما كان القوم عليه من حال تستدعي الدَّهشة والعجب؛ إنهم يعبدون آلهة شتَّى؛ اعتقدوا فيها القوَّة والسيطرة، وزعموا بأنها قادرة على جلب النفع لهم، ودفع الضرِّ عنهم، والأعجب من هذا، أن بعضًا منها صُنع بأيديهم، فكيف ارتضوها آلهة وعبدوها؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت