الصفحة 164 من 1412

ومع بُزوغ فجر اليوم التالي، حيث أخذت الشمس تتوقَّد وترسل أشِعَّتها الذهبيَّة على الكائنات، وقع بصر إبراهيم عليها ونظر متأمِّلًا؛ إنها من أعظم النجوم المرئيَّة، وأكثرها نفعًا للمخلوقات، وأشدِّها نورًا وإشراقًا فقال: هذا ربِّي، ولكن الشمس سُرعان ما توارت وراء الأفق، وغابت كما غاب غيرها... عندها شعر ببراءته من عبوديَّة هذه الأجرام، فالطبيعة بكلِّ أجزائها مخلوقة مسلوبة الإرادة، عاجزة عن التعبير، لا يمكنها التفلُّت من الوظائف الَّتي أناطها خالقها بها، أو تغيير وظائف مَنْ حولها، ولا تملك القدرة على الخلق والإيجاد..، لذا أعلن إبراهيم عليه السَّلام هذه البراءة من عبادة القوى والظواهر الَّتي تحيط به، واتجه إلى عبادة الله البارئ المصوِّر لكلِّ هذا الوجود وما فيه من موجودات، وذهب يعرِّف قومه بالإله الحقيقي الَّذي لا يغيب ولا يغفَل ولا ينام، وأخذ لسانه يعبِّر عن مكنونات أحاسيسه الفطريَّة، فقال لهم: إني بريء ممَّا تعبدون، ثمَّ توجَّه إلى الله بكلِّ كيانه ومشاعره مخلصًا له الحبَّ، ومعترفًا له بالربوبيَّة، ومتبرِّئًا من الشرك والوثنية فقال: {إنِّي وَجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطَرَ السَّمواتِ والأَرضَ حنيفًا وما أنا من المشركين} إنه النَّهْج الَّذي سار عليه جميع الأنبياء، والعهد الَّذي وثَّقوه، والوعد الَّذي وفَّوا به، لتكتمل بذلك قصَّة الإيمان.

فينبغي على المؤمن في كلِّ زمان ومكان أن يقرأ قصَّة الإيمان هذه مستخلصًا عِبَرَها ليدحض بها مزاعم الملحدين وافتراءات المكذِّبين، لأنه يتبيَّن من خلالها أن العقل السليم لا ينافي الفطرة السليمة بل يوافقها ويؤازرها؛ لأن مؤدَّاها الإذعان الفطري، بالألوهيَّة، لخالق الكون، وهذا الإذعان مستقرٌّ في دخيلة كلِّ نفس بريئة من شوائب العقائد الضالَّة، الَّتي قد يتأثَّر بها مَن يعيش في مجتمع ضال.

سورة البقرة (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت