الصفحة 166 من 1412

ولمَّا أُكْرِمَ هذا الإنسان بالنبوَّة، بقي عقله في حالة توقُّد فكري، فكان يسعى لشهود واقعة إعجازيَّة تروي ظمأه، وتجيب عن تساؤلات كثيرة كانت تدور في خَلَدِه، فكان بينه وبين الله عزَّ وجل ذلك الحوار العذب، الَّذي بدأه إبراهيم عليه السَّلام أوَّلًا بالتقرُّب والتحبُّب إلى مولاه بقوله: {ربِّ} فاختار هذه الكلمة وناجى بها ربَّه، لأنها تعبِّر عن صدق الشعور بالولاء المطلق لله وإنعامه التَّام على مخلوقاته. ثمَّ رفع إليه حاجته بقوله: {أَرِنِي كيف تُحيي الموتى} ، فهو يتوق إلى مشاهدة كيفيَّة الإحياء، ليتوِّج بها إيمانه الجازم بالقدرة الربانيَّة، ويريد أن يدرك بالعيان ما أدركه بالجَنان. ولذلك سأله المولى ـ عزَّ وجل ـ وهو أعلم بحاله: {أَوَ لم تؤمن؟} أي ألست تصدِّق بقدرتي على الإحياء؟ فيجيب إبراهيم بكلِّ ما أوتي من اليقين، أَنْ بلى قد صدَّقت، ولكن قلبي الَّذي تتنازعه نيران الشوق إلى معرفة المزيد والمزيد عن قدرتك، يتوق لشهود صنعتك، لِتَنْصَبَّ فيه برودة اليقين والتسليم، فيهدأ ويستكين حيث يبلغ الإيمان ذروته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت