فهرس الكتاب
لابُدَّ لكلِّ نبي أثناء مسيرته وجهاده في الدعوة إلى الله، من صعوبات ومشاقّ تعترض طريقه. وقد يعتريه في بعض الأحيان شيءٌ من الضعف والتعب، فهو في حاجة مستمرَّة إلى التثبيت وتقوية العزيمة، ولم يكن الله ليخذل أنبياءه أو يُخْلِفَهم موعده. فهو الَّذي أمرهم بالتبليغ ووعدهم بالنُّصرة؛ ولهذا كانت معونته تؤازرهم، وكان نصره وتأييده يحالفهم. وقد قصَّ الله تعالى على نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات قصَّة نبي كريم ورسول عظيم لتكون تثبيتًا له وتأييدًا، وليجد فيها بعض العزاء والسلوى، قال تعالى: {وكُلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرُّسل ما نثبِّت به فؤادكَ وجاءك في هذه الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين} (11 هود آية 120) .
وتبدأ الآيات الكريمة بالاستفهام التقريري، ومن سنن اللغة العربية أنه إذا أُريد تثبيت الخبر، وتقرير الجواب في نفس المخاطب أن يُلقى إليه بطريق الاستفهام، فالاستفهام غرضه التشويق لما سيأتي بعده، والمعنى: هل بلغك يامحمَّد خبر موسى وقصَّته العجيبة؟ إنه بعد خروجه من مَدْيَنَ صحب أهله وتوجَّه إلى سيناء، فلما بلغها لاحت له نار من بعيد، فترك أهله وتوجَّه نحوها كأيِّ عابر للصحراء، لعلَّه يأخذ من النَّار قَبَسًا يشعل به ناره، أو يجد عند النار من يهديه إلى الطريق الصحيح حتَّى لا يضِلَّ في متاهات الصحراء. فلما اقترب منها، رأى شجرة خضراء تشتعل فيها نار بيضاء، فوقف متعجِّبًا من شدَّة ضيائها وخضرتها، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورًا عظيمًا بين السماء والأرض له شعاع تكلُّ عنه الأبصار. وإذا بالنِّداء يأتيه من قِبَل هذا النور مهدِّئًا ومطمئنًا: {إنِّي أنا ربُّك فاخلعْ نَعليك} والمقصود بخلع النعلين هو تعظيم ذلك الموضع في الوادي المقدَّس، ولأن خلعهما أبلغ في التواضع، وحسن التأدُّب.