فهرس الكتاب
ـ يتبارى الصالحون منذ القِدم في خدمة مَن أولاهم الله تعالى رعايته وفضله، فكان أهل الفضل وخواصُّ القوم، توَّاقين لرعاية مريم الطاهرة ونيل شرف خدمتها، فتنازعوا بشأن كفالتها، وما كان تنازعهم هذا إلا لأنهم رأوا في ذلك واجبًا دينيًّا، لاسيَّما وأنَّ أمَّها قد نذرتها للعبادة، ولخدمة بيت المَقْدِس، فاقترعوا بينهم فكانت الكفالة لزكريَّا ـ زوج خالتها ــ وكان معروفًا بالعلم والخُلق والتَّقوى، فتعهَّدها بالرعاية الحسنة والهداية التَّامة، حتَّى شبَّت وترعرعت على الفضيلة والإيمان، والاستقامة على طاعة الله، والسعي لتحقيق مرضاته.
ـ عندما دخلت السيِّدة مريم العذراء في مرحلة النُّضْج الروحي والجسدي، نالت وسام الاصطفاء من حضرة الله سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ فقد أُمِرت بمتابعة الإعداد الروحي، والمداومة على العبادة، فكانت من خير العابدات، وكبرى العاشقات لله تعالى، المتذلِّلات بين يديه سبحانه، وواحدة من أفضل سيِّدات نساء العالمين.
ـ من الكرامات الَّتي منحها الله تعالى للسيِّدة العذراء، والَّتي كانت ثمرة من الثمرات الَّتي جنتها من تعبُّدها وقُنُوتها لربِّها وهي في ريعان الصِّبا؛ أن أغدق الله عليها في محرابها رزقًا طيِّبًا مباركًا، لا وجود لمثله عند الناس في ذلك الوقت. وفي هذا إيحاء للفتية والفتيات بأن يبدؤوا رحلة حياتهم بالتربية الروحية، والصفاء القلبي وحسن الصلة بالله، لتتحوَّل نفوسهم إلى تربة صالحة لزرع الطيِّبات.
ـ عندما أتى الملاك جبريل ـ بصورة رجل ـ إلى البتول مريم استعاذت منه بحضرة الله لهول المفاجأة، وذلك دليلٌ على عفَّتها وطهارتها. ويُستشفُّ من قولها له: {إن كُنْتَ تَقيًّا} بأن من يعرف الله ويتَّقيه يُخَوَّفُ بالله ويُحذَّر منه، وأن من لا يخشى الله لا يُخوَّفُ به بل يُهدَّد بالسلطة أو بالقضاء. فالاستعاذة بالله هي حال المؤمنين الأطهار عند كلِّ نازلة أو خطب يحطُّ بهم.