الصفحة 219 من 1412

ـ عندما حانت اللحظات الحرجة، وظهرت السيِّدة البتول مع ابنها أمام أعين الناس، انهالت عليها التُّهم بلا رحمة أو شفقة، وهي الَّتي ما عُرف عنها إلا الصلاح، وأنها ابنة الصالحين أبًا عن جد؛ حينها تدخَّلت العناية الإلهية، لتواسيها وتأمرها بألا تنبس ببنت شفة، وذلك لئلا ترهق نفسها، وتبذل مجهودًا بالحوار في مسألة ردِّ التُّهمة عنها. وقد تكفَّل الله بالدِّفاع عنها، فأوحى إليها بأن تشير إلى ولدها الرضيع في مهده، ليكلِّموه ويسألوه، فتعجَّب القوم من ذلك، إلا أن الطفل الرضيع نطق بقدرة الله ومشيئته، معلنًا للملأ براءة أمِّه القدِّيسة، مبيِّنًا أنه عبدٌ لله، وصاحب رسالة، وأمين على كتاب الله. وبهذا فإن الله تعالى قد جعل دليل براءة مريم من جنس دليل اتِّهامها، فكان كلٌّ من الأمرين معجز، وكان تأييد الله للصدِّيقة مريم وولدها بالكرامات والمعجزات، كفيلًا للدعوة المسيحية بالظهور والانتشار. وقد استندت هذه الدعوة في قيامها واستمراريتها على أسسٍ أهمها:

1 ـ التَّوحيد: فقد كانت النقطة الأولى الَّتي انطلقت منها دعوة عيسى عليه السَّلام، هي إقراره بالإله الواحد الَّذي لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد؛ والدعوة إلى عبادته تعالى: {وإنَّ الله ربِّي وربُّكُم فاعبُدوه هذا صراطٌ مستقيم} (19 مريم آية 36) وبيانه الواضح بأنه عبدٌ من عباد الله اصطفاه بالنبوة، وأنه بشرٌ يولد ويموت ثمَّ يبعث حيًّا، لتبقى هذه الحقيقة ماثلة ظاهرة للعيان: {قال إنِّي عبدُ الله آتاني الكتابَ وجعلني نبيًّا * وجعلني مُباركًا أين ما كُنتُ وأوصاني بالصَّلاةِ والزَّكاة ما دمتُ حيًّا * وبَرًّا بوالِدَتي ولم يجعلني جبَّارًا شقيًّا * والسَّلام عليَّ يومَ وُلِدتُّ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حيًّا} (19 مريم آية 30ـ33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت