فهرس الكتاب
والحكمة في الإسلام تمثِّل الجانب العقلاني في التربية الإيمانية؛ لأنها دراسة للأشياء بحقائقها ظاهرًا وباطنًا، ومعرفةٌ تتناول ارتباط الأسباب بمسبَّباتها قَدَرًا وشرعًا، وخَلْقًا وأمرًا. وهذه الدراسة والمعرفة هي الحكمة العلمية، أمَّا الانتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التنفيذ والتطبيق فهي الحكمة العملية. وإذا كانت الحكمة هبة الله للمرسلين، فإنها الضالَّة المنشودة لبقيَّة المؤمنين وبغيتهم، فحيثما وجدوا الحقيقة الَّتي أُمروا أن يبحثوا عنها أخذوها، وهذا الوصف هو الَّذي أطلقه معلِّم الحكمة محمَّد صلى الله عليه وسلم على كلِّ مؤمن فقال: «الكلمة الحكمة، ضالَّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها» (أخرجه الترمذي) .
ونظرًا لاستناد الحكمة إلى العقل وقيامها على أسسه؛ جاء توجيه النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا بالتمهُّل والتفكُّر قبل الإقدام على أي خطوة يخطوها المؤمن، لتكون صائبة سديدة. وقد ورد في الأثر: [إذا هممت بأمر فتدبَّر عاقبته، فإن كان رشدًا فأمضه، وإن كان غيًا فانته عنه] ، فكلُّ مرحلة من مراحل حياة المؤمن يجب أن ترافقها الحكمة الرائدة، الَّتي يحتاج إليها في حياته عندما يشرف على خوض غمار الدعوة إلى الله، وعندها يصبح مأمورًا بها وليس مختارًا، لقول الله تعالى: {ادعُ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة..} (16 النحل آية 125) . ولهذا جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّته فيدعوته، وسلاحه الَّذي انتصر به على عداوة أعدائه، وكانت تتجلَّى حكمته بأروع صورها عندما كان يستخدم في دعوته أساليب متنوِّعة ومختلفة، تختلف باختلاف كفاءات المدعوِّين واستعداداتهم. وعلى ضوء هذه الحكمة النبويَّة تحوَّل أعداء الأمس أحبابًا، والأخصام المناوئون صحابة، وبقوَّتها الجاذبة كان يدخل المشرك مسجد النبي يريد اغتياله، ويخرج مسلمًا يدعو إلى الله، وينتقل من زعيم في الكفر إلى زعيم في الإيمان.