فهرس الكتاب
تتعدَّد الوسائل الَّتي تسهم في بناء الشخصية الإيمانية، وتتفاوت سلبًا وإيجابًا، ومن أسرعها تأثيرًا ونجاحًا، امتحان المرء نفسه للتعرُّف على مدى قدرته على الصبر والتحمُّل، ولقد أثبتت هذه الوسيلة فاعليتها من خلال التشريع الإلهي السماوي، الَّذي فرض على الناس بعض العبادات الَّتي تهدف لذلك، ومنها الصَّوم الَّذي تتحقَّق فيه هيمنة سلطان الروح على الجسد؛ فيعيش الإنسان مالكًا زمام أموره بنفسه، لا أسير ميوله الماديَّة البهيميَّة، كما يغرس فيه الأمانة والصدق مع الذَّات، فما من شيء يمنعه ـ لدى أدائه لهذه العبادة ـ من ممارسة المفطِّرات وتعاطيها غير اعتقاده بأن الله يراقبه ويطَّلع عليه. وقد جاء في الحديث القدسي: «كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصِّيام فإنه لي وأنا أجزي به» (أخرجه أحمد ومسلم والنَّسَائي) .
ومعنى الصِّيام في الإسلام هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، مع النيَّة على ذلك، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولمَّا كان الامتناع عن ممارسة هذه الأمور المباحة ثقيلًا على النفس، يصعب عليها تقبُّله إن لم تكن مؤمنة وعاشقة لله؛ خاطب الله عباده بهذا النداء العذب: {ياأيُّها الَّذين آمنوا} قبل أن يلقي إليهم الأمر بالصِّيام، فخلع عليهم لقب المؤمنين تحريكًا لقلوبهم وشدًّا لعزائمهم، لأن الإيمان يقتضي الامتثال والطاعة، ثمَّ أتبع هذا النداء بالتكليف بعد أن شحذ نفوسهم، ودفعها لتنهض وتستجيب لأمره.