فهرس الكتاب
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو: يا مُقَلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. قلت: يارسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، أمَّا تسمعين قوله تعالى: {ربَّنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بعد إذ هديتنا وهَبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنَّك أنت الوهَّاب} » (رواه ابن مردويه) . وهذا هو حال الراسخين في الإيمان مع ربِّهم، الإيمان الَّذي يولِّد الطمأنينة المستمدَّة من الصلة بالله والثِّقة بوعده وعهده، والتَّقوى واليقظة ورقَّة الإحساس؛ الَّتي يفرضها على قلوب أهله، فلا تغفل ولا تنحرف عن سواء السبيل.
سورة الزمر (39)
قال الله تعالى: {وإذا مَسَّ الإنسانَ ضُرٌّ دعا ربَّهُ مُنيْبًا إليه ثمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمةً منه نسيَ ما كان يدعو إليه من قبلُ وجَعَلَ لله أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلهِ قُلْ تمتَّعْ بكفرِكَ قليلًا إنَّك من أصحابِ النَّار (8) أمَّنْ هوَ قَانِتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجدًا وقائمًا يَحْذرُ الآخرةَ ويرجوا رحمةَ ربِّهِ قُلْ هل يستوي الَّذين يعلمونَ والَّذين لا يعلمونَ إنَّما يتذكَّرُ أُولوا الألباب (9) }
ومضات:
ـ هذه صورة معبِّرة عن الإنسان الَّذي تُلِمُّ به مصيبة، أو يقع في ضائقة، فيطلب المساعدة الإلهية بإلحاح، حتَّى إذا تحقَّقت له نسي أو تناسى ما كان به بالأمس وكأنَّ شيئًا لم يكن، فيُعرِض عن الله. وقد يصل به الجحود إلى أكثر من ذلك حتَّى يلتفت عنه، ويَتَّبِع آلهة يبتدعها لنفسه، وأبغض هذه الآلهة المزيَّفة (الهوى) . ولكن مهما طال الزمن بهذا الإنسان، وجرت به الريح فإن مصير سفينته إلى براثن الأعاصير والعذاب في الدنيا والآخرة.
ـ كلَّما ازداد عطاء الله للمؤمن الحقيقي، ازداد من ربِّه قربًا وعبادة خشية أن تزِلَّ به قدم غرور أو فتنة.