الصفحة 492 من 1412

وهذه الصورة ليست إلا تلخيصًا لرحلة الإنسان الغافل على الأرض، فتراه يتقلَّب في أحضان النعيم، لاهثًا وراء إرضاء أنانيته، متجاوزًا حقوق غيره، ناسيًا الغاية الَّتي خُلق من أجلها، وهي عمارة الكون، وخلافة الله في الأرض، وإقامة ميزان العدل، وإعلاء كلمة الحقِّ، والإقبال على بارئ الخلق، فتراه يظلم ويبطش ويسرف على نفسه، ويعتدي على غيره، حتَّى إذا داهمته مصيبة لَجَّ بالشكوى، وتوجَّه إلى الخالق بالدعاء، وقطع العهود على نفسه ببذل البرِّ والخير والتَّقوى. فإذا كشف الله غُمَّته، رجع إلى أنانيَّته وغطرسته وظلمه، فيكون من الخاسرين الظالمين لأنفسهم، وتكون عاقبته الندم على ما فرَّط في جنب الله عزَّ وجل. وكان الأجدر به أن يغتنم الفرصة الَّتي منحها الله تعالى له ليستيقظ من غفلته، ويعود إلى رشده فيستقيم، ولكنَّها الغفلة تحيق بالقلوب اللاهية، وترمي بظلالها الثقيلة السوداء على العقول والأبصار. والله نسأل أن يحفَّنا باللطف والرحمة، ليثبِّت أقدامنا على صراطه المستقيم، وينوِّر قلوبنا بشرعه القويم، حتَّى نبقى عابدين مخلصين له الدِّين، ولحلاوة محبَّته ذائقين، ولساعات أعمارنا بطاعته مالئين، ولفرص السعادة الحقيقية مغتنمين آمين يا ربَّ العالمين.

الفصل الرابع:

التَّقوى

سورة الحشر (59)

قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله ولْتَنْظُرْ نفسٌ ما قدَّمت لِغَدٍ واتَّقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون (18) ولا تكونوا كالَّذين نَسُوا الله فأنساهُمْ أنفسَهُمْ أولئك همُ الفاسقون (19) }

ومضات:

ـ التَّقوى تعني العفَّة عن المحارم والشهوات، ومحاذرة ارتكاب ما يغضب الله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهي بمجملها الالتزام بشرع الله طاعةً ورغبةً.

ـ في الآيات نداء للمؤمنين لينهلوا من معين التَّقوى، وليحاسبوا أنفسهم على ما قدَّموه من أعمال لرحلتهم الأبدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت