الصفحة 556 من 1412

وفي مُقابل أعمال البناء والعطاء، هناك نشاطات الهدم والتخريب، إذ أن فريقًا من الناس قد غشيهم الظلام، فأصابهم منه ما أصابهم، جعلوا دأبهم إطفاء شعلة الإيمان، وإخماد صوت الحقِّ، فركَّزوا حملاتهم على تشويه تعاليم الشريعة السمحة بالتطرُّف والمغالاة، وإساءة استعمال بيوت الله في غير ما أقيمت له، وسعوا في تخريبها؛ خرابًا معنويًّا بدسِّ الفتن بين أبنائها، وتشويه معتقداتهم، وتشكيكهم بتعاليم شريعتهم. ليس لهم غرض إلا إشباع ميولهم العدوانيَّة بدافع الحسد لأولئك المُنْضَوِين تحت ظلِّ الله، فهم كالحشرات الضارَّة الَّتي لا تنسجم مع كلِّ نظيف وأصيل. ولكنَّ هؤلاء المخرِّبين يعرفون ـ ضمنًا ـ أنَّهم يحاربون قوَّة لا قِبَل لهم بها، هي قوَّة الله، لذلك تراهم خائفين قلقين، وهذا طبيعي، فالعين تنكسر أمام الحقِّ، والهَامَة تنحني أمام جلاله، فهم وإن لم يتراجعوا ظاهريًّا، فإنهم ممزَّقون من داخلهم، يخافون أن ينكشف عنهم الحجاب، ويتعرَّوا أمام الخلائق، وكان يجدر بهم أن يراعوا حرمات مساجد الله، فيدخلوها منكِّسي رؤوسهم، خافضي أبصارهم خجلًا من صَغارهم أمام عظمة الله، أَمَا وإنهم لم يفعلوا فإنَّ لهم في الدنيا خزيًا، ولهم في الآخرة عذابًا عظيمًا.

وهذا الحديث يقودنا إلى تقليب صفحات التاريخ لنجد أن الإسلام قد حافظ على حرمات المعابد أنَّى وُجدت، وأباح لغير المسلمين حريَّة العبادة، وأوصى جنوده في الحرب ألا يعتدوا عليها، وألا يتعرَّضوا لرجال الدِّين، بل أمرهم بأن يتركوهم وما يعبدون. وتعتبر وصية الخليفة الراشدي الأوَّل أبي بكر رضي الله عنه لجنوده المتوجِّهين إلى الشام لدعوة الرومان إلى الإسلام، وثيقة هامَّة في هذا المجال، حيث يقول: (وإنكم ستمرُّون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له، سيروا على بركة الله) .

الفصل الثامن:

الرضا بالقضاء والقدر

سورة يونس (10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت