فهرس الكتاب
يمشي المرء مَرَحًا عند شعوره بالتفوُّق على الآخرين، ناسبًا الفضل في ذلك لنفسه، ناسيًا من أعطاه القوَّةعلى التميُّز والتفوُّق، وهذا ما يوقعه في العُجْبِ والكبرياء والمفاخرة، ويعيق جهوده عن الحصول على المزيد من المزايا، ويشلُّ حركته عن تقديم المزيد من العطاء. والقرآن الكريم يجابه المتطاول المختال بحقيقة ضعفه وعجزه وضآلته بقوله: {إنَّك لن تَخْرِقَ الأرضَ ولن تَبْلُغَ الجبالَ طُولًا} . فالإنسان بحجمه ضئيل هزيل، لا يبلغ بالقياس إلى الأجسام الضخمة شيئًا، إنما هو قويٌّ بقوَّة الله، عزيز بعزَّته، كريم بروحه الَّتي نفخها فيه، وبالعقل الَّذي وهبه إيَّاه، ليتصل به ويراقبه ولا ينساه.
وهذا التواضع الَّذي يدعو إليه القرآن هو أدب روحي مع الله، وأدب اجتماعي مع الناس، وما يميل عن هذا الأدب إلى الخُيَلاء والعُجْب، إلا إنسان ذو نفس فارغة من حبِّ الله، وعقل جاحد لا يجيد وضع الأمور في موضعها الصحيح. جاء في الحديث الشريف: «من تواضع لله رفعه، فهو في نفسه حقير، وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعهُ الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير» (أخرجه أبو داود) وقال صلى الله عليه وسلم: «الاختيال الَّذي يَبْغُضُ الله، الخُيَلاءُ في الباطل» (أسنده أبو حاتم محمَّد بن حِبَّان عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه) . والله تعالى يمقت صفات الكِبْر والعُجْب بالنفس والتكبُّر على مخلوقاته، ومن يتَّصف بها فهو مكروه منبوذ من حظيرة قدسه. ولهذا ورد في الأثر: (أقسم الربُّ القدُّوس أن لا يدخل حضرته من كان من أرباب النفوس) . فما هو الربح الَّذي يجنيه من خسر الله؟ وما أجمل قول ذلك العالم العارف بالله الَّذي قال مناجيًا ربَّه سبحانه: [إلهي ماذا وَجَدَ من فقدك وماذا فَقَدَ من وجدك] ؟. فمن خسر الصلة بالله خسر كلَّ شيء وفاته كلُّ خير، ومن حصل على رضا الله فقد حصَّل كلَّ شيء وجنى الربح الأعظم في هذه الحياة وفي دار الخلود.
سورة فاطر (35)