فهرس الكتاب
يبدو بعض أدعياء الفكر والثقافة وكأنَّهم شركاء للخالق عزَّ وجل في تصريف أمور الكون؛ إذ يريدون أن يغيِّروا شرائح المجتمع وأسلوب الحياة، وفق موازينهم المختلَّة ونظرتهم القاصرة، والَّتي تنظر إلى الأمور من زاوية ضيِّقة، ولا تنظر إليها نظرة دقيقة شاملة، لذلك لم يدركوا ما سيلحق الناس من ضرر وإفساد، وتفتيت للعلاقات القائمة بينهم، لو تمَّ لهم ما أرادوا.
إن الله تعالى قدَّر شؤون هذا الكون أحسن تقدير، من ذلك أنه أحاط الكرة الأرضية بقوانين ثابتة حكيمة تكفل استمرار الحياة عليها، وقد أحكم دورانها حول نفسها وحول الشمس، وهو الَّذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وزوَّده بالعقل، ومنحه الإرادة والقوَّة ليتمكَّن من التعايش مع الآخرين وكسب العيش؛ كذلك قدَّر قوانين الرزق والعطاء، وخلق الأسباب والمسببات لئلا يتواكل الناس، وينقطعوا عن السعيِّ والعمل. فكما أن الله قدَّر هذه الأشياء فأحكم التقدير، فكذلك قدَّر وجود الطبقات الاجتماعية المتفاوتة الَّتي لا يدلُّ وجودها على فساد تركيبة المجتمع، ولا يعني تفضيل قوم على قوم، بل هي أقوام مسخَّرة لخدمة بعضها بعضًا، تتساوى جميعها في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية، كما تتساوى أمام الله في الجزاء على العمل والعبادة، فتعمل بشكل منسجم يتمِّم بعضها بعضًا، بحيث يشعر كلٌّ في موقعه بالسرور والقناعة إذا أدَّى دوره المنوط به بنجاح وإتقان.