الصفحة 623 من 1412

إن أوَّل مرتبة من مراتب برِّ الوالدين ألا يظهر من الولد ما يدلُّ على الضجر أو التأفُّف من والديه، فقد قال تعالى: {ولا تنهرهما} أي لا يصدر منك ما يسيء إليهما. والفرق بين النهي عن التأفُّف، والنهي عن الانتهار: أنَّ الأوَّل للمنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، والثاني للمنع من إظهار المخالفة في القول، بالرد أو التكذيب، وقد ورد في الأثر: [لو علم الله شيئًا من العقوق أدنى من أُفٍّ لحرَّمه] . إن الإسلام يدفع الابن إلى مرتبة أعظم تكريمًا، وأكثر إيجابية بأن يكون كلامه مع والديه ليِّنًا مفعمًا بالإكبار والاحترام، مُعرِبًا عن حبِّه وامتنانه. ثمَّ إنه يرقى درجة أعلى فيصل به إلى الرحمة، الَّتي ترقُّ وتلطُف حتى لكأنَّها الذل، الَّذي لا يرفع عينًا ولا يرفض أمرًا مشروعًا، وكأن للذل جناحًا يخفضه إيذانًا بالسلام والاستسلام. أخرج البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ولد بارٍّ ينظر إلى والديه نظرة رحمة، إلا كتب الله له بكلِّ نظرة حجة مبرورة، قالوا: وإن نظر كلَّ يوم مائة مرة؟ قال: نعم والله أكبر وأطيب» . والآيات تعود بالإنسان إلى مرحلة طفولته الضعيفة حيث رعاه والداه خلالها أحسن رعاية، فإذا أصبحا مُسنَّين واعتراهما شيء من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان، فإن الإسلام يهيب بالابن أن يتوجه إلى الله من خلال رعايتهما، طالبًا منه أن يشملهما برحمته الواسعة. أمَّا من قصَّر في حقِّهما عن جهل، فقد ترك الله له باب المغفرة مفتوحًا للتوبة والإنابة، ليكون في عداد الأوَّابين الَّذين يسارعون إلى ربِّهم مستغفرين منيبين؛ كلَّما زلَّت بهم القدم. فمن قصَّر في حقِّ من حقوق أبويه فلْيُعلن توبته ولْيستدرك تقصيره تجاههما ولو بعد موتهما، ولْيُسرع إلى ربِّه نادمًا مستغفرًا علَّه يغفر له، إنه غفور رحيم. أخرج أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه، أنَّ رجلًا قال: «يا رسول الله، هل بقي علي من برِّ أبويَّ شيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت