الصفحة 627 من 1412

لقد عالج الإسلام هذا الموضوع بشكل عقلاني ووجداني في آن واحد، فعاد بذاكرة الولد إلى أياَّمه الأولى، وإلى معاناة والديه وآلامهما في رعايته، وطلب منه بالمقابل أن يقدِّم لهما أحلى ما عنده من معاني الودِّ والوفاء. ويخلص الإسلام من هذه الوقفة أمام الوصية بالوالدين، إلى مرحلة النضج والرشد، مع استقامة الفطرة، واهتداء القلب وبلوغه أَشُدَّه ما بين الثلاثين والأربعين عامًا، حين تكتمل جميع القوى والطاقات ويتهيَّأ الإنسان للتدبُّر والتفكر في رويَّة وهدوء. وفي هذه السن تتَّجه الفطرة السليمة المستقيمة بنظرها واهتمامها إلى ما وراء الحياة الحاضرة، فتتدبَّر شؤون المصير والمآل، وهنا يصوِّر القرآن الكريم ما تختلج به نفس الإنسان وهو في مفترق الطريق بين شطر من العمر ولَّى، وشطر يكاد آخره يتبدَّى، فيتَّجه إلى الله يدعوه أن يعينه لينهض بواجب الشكر، وأن يرشده إلى صالح العمل وأن يصلح له ذريته، وهي رغبة القلب المؤمن في أن يستمر عمله الصالح في ذرِّيته، وأن يؤنس قلبه الشعور بأن في نسله من يعبد الله ويطلب رضاه. فالذرِّية الصالحة هي أمل العبد الصالح، وهي أحبُّ إليه وآثرُ عنده من الكنوز والذخائر، وأسعدُ لقلبه من كلِّ زينة. إن العمل الصالح يمتدُّ من الوالدين إلى الذرِّية ليصل الأجيال المتعاقبة بطاعة الله، روى أبو داود في سننه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلِّمهم أن يقولوا في التشهُّد: اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام، ونجِّنا من الظلمات إلى النور، وجنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرِّياتنا، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك وأتمَّها علينا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت