فهرس الكتاب
لقد أفرز المجتمع الإسلامي نماذج رائعة من التضحية والبذل، وصلت إلى حدِّ الإيثار على النفس وهو شيء نادر الوجود، يحتاج تحقيقه إلى سموٍّ روحي عظيم. فقد يقول قائل: إن الاشتراكية شيء رائع لأنها تلزم الفرد بأن يقدِّم فائض أمواله للدولة، والَّتي بدورها توزعه بين الفقراء والمحتاجين. وهذا أمر جيد، ولكننا نطرح عليه سؤالًا هامًّا وهو: تُرَى أيُّ نظام في العالم يستطيع أن يُلزم جائعًا، يريد أن يأكل طعامًا لا يملك غيره؛ ثمَّ يجد من هو أحوج منه إلى هذا الطعام، فيُؤثِره على نفسه ويقدِّمه له، ويبيت على الطَّوى؟؟. إن هذا السلوك مارسه الصحابة الكرام فيما بينهم يوميًا وبشكل طوعي؛ بينما نحن الآن في القرن العشرين، عصر العلم والحضارة، نجد أن الأنظمة الاجتماعية الهادفة إلى إلغاء الفقر من جذوره، قد فشلت جملةً وتفصيلًا، بسبب عدم أهليَّة المنادين بهذه الأفكار لتطبيقها على أنفسهم قبل غيرهم، وقصور الوسائل الَّتي بين أيديهم عن تطبيقها.
وما من شكٍّ أن هجرة الصحابة الكرام من مكَّة إلى المدينة، واستقبال الأنصار لهم من أجمل الأمثلة وأصدقها على المناصرة والتعاون على مدى التاريخ. فالمؤمنون في مكَّة، وعلى الرغم من كثرة الفقراء بينهم، وتهديد كفرة قريش لهم بأنهم إذا أرادوا الهجرة إلى المدينة، فإنه لن يُسمح لهم بأخذ أي شيء ممَّا يملكون من متاع الدنيا، وبالمفهوم العصري (مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة) فقد أصرُّوا على الهجرة من دار الجهل إلى دار العلم والإيمان، حيث النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عزَّ وجل وطاعته. وكان لقاء أهل المدينة لهم عجيبًا فريدًا، فقد فرحوا بمقدمهم وسعدوا به، ولم يكتفوا بتقديم المساعدات والإعانات لهم فحسب، بل اتخذ كلُّ واحد من الأنصار أخًا له من المهاجرين، وقاسمه ماله، وبهذه الصورة سطع وميض الإيمان الفعلي، ليربط القلوب بمحبَّة متينة متماسكة، ظلَّت نموذجًا يُحتذى إلى يومنا هذا.