الصفحة 730 من 1412

تتابع الآيات القرآنية عملية بناء نموذج الإنسان الكامل في نفوس المسلمين، فبعد أن نَهَتهُم الآية السابقة عن السخرية واللمز والتنابز، تأتي هذه الآية لتحُدَّ من غلواء الاستنتاجات السيئة الَّتي يمكن أن يفسِّر بها الإنسان التصرُّفات الشخصية لغيره، وتلزمه أن يحمل ما يرى من ذلك، على المحمل الحسن مادام ذلك ممكنًا، حفاظًا على صلة المودَّة بين المسلمين، ومنعًا للأضرار الواسعة الَّتي يمكن أن تَلحق المُتَّهم بما ليس فيه زورًا وبهتانًا؛ فجاءت الآية لتضع حدًا لما يمكن أن يحدث نتيجة هذه الإساءة من مكروه، كما أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك حيث جاء في الحديث الشريف: «إن الله حرَّم من المسلم دَمَهُ وعرضه، وأن يُظَنَّ به ظن السوء» (رواه مسلم والترمذي مرفوعًا) . فيَحرُم سوء الظنِّ بمن شوهد منه الستر والصلاح وعُرِفت عنه الأمانة، أمَّا من يجاهر بالفجور، فلا يحرُم سوء الظنِّ به، بل إن سوء الظنِّ به أولى لحماية مَن حوله من أذاه وشرِّه. وقد علَّلت الآية الأمر باجتناب كثير من الظنِّ في قوله تعالى: {إنَّ بعض الظنِّ إثم} لأن فيه اتِّهامًا وشكًّا بالآخرين غير مبني على معطيات صحيحة، وخاصَّة إذا كان الأمر يتعلَّق بحياة الناس الشخصية وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا ظننتَ فلا تحقِّق» (رواه ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه ) ومعنى هذا أن تفترض في الناس البراءة فيما يتعلق بأمورهم الخاصَّة، الَّتي يعود نفعها أو ضررها عليهم وحدهم، صيانة لحقوقهم وحريَّاتهم؛ فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى على حرمة الحياة الشخصية للآخرين. وقد أكدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم سوء الظنِّ بالمؤمن من خلال أحاديث كثيرة منها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والَّذي نفس محمَّد بيده، لَحُرمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت