ولا أدل من حزمة الملابس المعلقة بالوتد، حيث كان الطفل يخفي عن أهله بعض أشيائه الأثيرة! ... وخلف الدار فناء آخر غير منتظم الأحوال، وكأنه بناء قديم، فرشت أرضه بروث البهائم، وهو متنفس للعب الصبية، وتقاذفهم بهذا الزبل، حتى الباب كانت خلفيته تشبه سبورة يكتب عليها إخوانه الكبار دروسًا وهمية، حيث تخيلوا أنفسهم في مدرسة، وسجلوا أسماء الطلاب، وأجروا لهم اختبارات، وكونوا عن كل شخصية منهم انطباعًا خاصًا، كما لو كان أحد أبناء الجيران! ... إنها صورة تقريبية لمعظم بيوت القرية، بل القرى. ... أطلال بائدة ... وأيام خوال ... وأناس راحلون ... إنها ليست مجرد صورة عابرة، بل روابط عاطفية تصل الحاضر بالماضي، تتطور الدنيا، وتنمو الحياة، وتنمو معها معالمنا الجسدية، وعلاقاتنا الاجتماعية. ... الماء من تلك السواقي له مذاق خاص، والرمال الممتدة كانت مسرحًا للخيال، ومراحًا للنفس، والقمر الجميل كان يشهد ليالي السحر التي تجمع الصغار والكبار، وأهل القرية كأنهم أسرة واحدة، وإشراقة الفجر كانت إضاءة أمل، يدفئ شعاع شمسها برد الحياة. ... الزرع حيث هو العمل المثمر لسكان القرية، أو الخب، حيث المكان المنبسط المحاط بتلال الرمل ... ... النخلات الباسقة تقف في شموخ، وذاك الرجل في أعلى النخلة يخرف التمر والرطب .. كم كنت أحك رأسي حين أرى علوه .. وأتساءل: كيف استطاع الوصول إلى هناك؟! ... هل يا ترى كانت الحياة حقًا بسيطة وعفوية، أو حلاوة الذكرى تزين في عيوننا الماضي فنستلذ به؟ ... أو كان ذلك القلب البريء قادرًا على تحويل ما يدخل إليه من مشاهد ومواقف إلى بهجة وفرح؟! ... كقبضة اليد قلبي في مساحته *** لكنه ساحة كبر لأحبابي ... يضم دنيا عجيب أمرها .. وبها *** لهوي وحزني وأفراحي وأوصابي ... وتبقى العلاقة الإنسانية النبيلة هي الخليط المتين الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، في سمو وترفع، في الوصال والفراق. ... تلك الأزقة الضيقة المتعرجة تشهد ضجيج الأطفال وصخبهم، ومعابثاتهم الدائمة حتى وقت الظهيرة حيث يخلد الكبار إلى القيلولة، والغبار المتصاعد من تلك الأقدام الصغيرة يعبر عن الحياة والحركة. ... المسجد قلب نابض للقرية، خاصة وأن (البصر) -اسم قريته- تحتضن المسجد الجامع الوحيد من بين القرى المجاورة، حيث تلقى خطبة مقروءة من ديوان متكامل قديم، وإذا كانت الخطبة