الأولى دورية، فإن أختها تعاد أسبوعيًا، فلا غرابة أن حفظ الكثير من كلماتها ودعواتها، وإن لم يفقه معناها بعد! ... وهي مزية كبيرة في حمى التنافس القروي، ومصدر فخر في مجالس المنافرة، التي تذكرك بالطبيعة العربية، حيث لكل قبيلة شاعر، وهذا بعينه كان قائمًا، فالشاعر (ابن جربوع) كان لسان أهل القرية في مجريات حياتهم، وشعره العذب الفطري المناسب يردد في مجالس النساء ومحافل الرجال ويحفظه بعض الصبية. ... إنه تعبير أخاذ عن الفقر والجوع، وسهولة العلاقة بين الناس، والنكتة الطائرة، وسرعة البديهة، وطهارة الجيب. ... وتلك المقطوعات السريعة كانت تدوينًا للأحداث والأشخاص، حيث الناس في القرية يهتمون بالتفاصيل ولا ينسونها، فمحدودية المكان، وترابط السكان، والفراغ، والسمر، يعني أن زواج فلانة، وطلاق الأخرى، ووقوع أحد المراهقين في فخ التدخين، وتخلف زميله عن صلاة الفجر، والسفر والقفول ولو إلى (بريدة) التي كانوا يقصدونها بواسطة (البريد) يوميًا .. هو حدث ذو أهمية، ولا بد أن يتم عرضه في برامج المساء! لكن قد يعز على من يسمع لتلك الأحاديث أن يسمع أسماء كانت اعتاد سماعها، فكل فرد أو أسره لها (لقب) تعير به، حل محل الاسم الأصلي، حتى نسخه فلا يعرف إلا في الوثائق الرسمية، أو في عدد الإمام الذي يتفقد الجماعة بعد صلاة الفجر يوميًا. ... هذه الألقاب تعبيرًا غير رشيد عن الحميمية والقرب والمعرفة المباشرة ربما كانت ... أو كانت للتمييز بين من يحملون ذات الاسم والعائلة. ... أما نصيب الصغار، حيث لا تلفزة، ولا أفلام كرتون، فهو قصص السعالي والجن والعفاريت، والقطط السود المسكونة، و (الأقراص الحامية) التي تهدد بها الأمهات صبيانها، فهي تنزل من السماء على رأس من يكذب أو يخالف كلام والديه! ... أهداف نبيلة، ووسائل مغرقة في الخطأ! ... إنه تهديد يرتعد له قلب الطفل حين يتخيل عقله الطفولي أنه مستهدف بهذا الجرم الهائل الحارق، وربما اكتشف مع الوقت ألا حقيقة لهذا فلم يعد يعبأ بالتخويف. ... تلك الأيام الغوامض من سني الطفولة هي فترة تأسيس الشخصية، وتحديد اتجاه الطفل نحو ذاته، وثقته بكفاءته، وتحديد حجم التفاعل بينه وبين أفراد أسرته ومجتمعه الصغير. ... وثمت هنا نموذج مصغر للآباء في أولئك الأطفال يجتمعون حول التراب المبلول بالماء، ويسمونه (حكا) ، لأنهم يشكلونه ويعبثون به أثناء سرد الحكايات، وأيديهم الصغيرة تبني منه بيوتًا وأسوارًا، وترسم لوحات، وتعبد طرقًا ربما لم تراها بعد! ... ولكنها مستمدة من المصدر ذاته، الجن والعفاريت والحيوانات المتجنسه! ... وتشهد القرية حركة غير عادية، إنها مكينة لها صوت عال متواصل، وطقطقات متناغمة