الصفحة 33 من 36

طهر قلبك من الشوائب؛ فالمحبة لا تلقى إلا في قلب طاهر، أما رأيت الزارع يتخيرُ الأرض الطيبة، ويسقيها ويرويها، ثم يثيرها ويقلبها، وكلما رأى حجرًا ألقاه، وكلما شاهد ما يُؤذي نحّاه، ثم يلقي فيها البذر، ويتعاهدها من طوارق الأذى؟

وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبدًا لوداده حصد من قلبه شوك الشرك، وطهره من أوساخ الرياء والشك ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة، ويرزقه الخوف والإخلاص، فيستوي ظاهره وباطنه في التقى، ثم يلقي فيه بذر الهدى، فيثمر المحبة (قلت وفي الحديث القدسي عند البخاري (( ... فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَقَدَمَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)

فيسكن لُب القلب،، فيسري من بركاتها إلى العين ما يفُضها عن سوى المحبوب، وإلى الكف ما يكُفها عن المطلوب، وإلى اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام، وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام. (قلت انا كاتب الاسطر وصف أحد فرسان الأدب بقوله: شباب والله مكتهلون بشبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلةٌ عن الباطل أرجلهم، أنضاءُ عبادةٍ وأطلاحُ سَهَر، نظر اللَّه إليهم في جوف الليل منحنيةً أصلابهم على أجزاء القرآن الكريم، كلَّما مر أحدُهم بآيةٍ من ذكرالجنّة بكى شوقًا إليها، وإذا مَرّ بآية من ذكر النار شَهِقَ شَهقة كأنّ زفير جهنّم بين أذنيه، موصولٌ كَلاَلهم بكلالهم [أي تعب النهار بتعب الليل] كَلالُ الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرضُ رُكَبَهم وأيديَهم، وأنوفَهم وجباهَهم، واستقلّوا ذلك في جنْب اللَّه، هؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه صلتهم بالقرآن الكريم، تعظيم له، واتباع صادق واخرج ابن ابي الدنيا في قيام الليل وابن عساكر عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انه صلى صلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ مَكَثَ كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ قِيدَ رُمْحٍ، قَلَبَ يَدَهُ، وَقَالَ:"وَاللَّهِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، وَلَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثًا صُفْرًا غُبْرًا، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ أَمْثَالُ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ، وَهَمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تُبَلَّ ثِيَابُهُمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ) "

فما زالت تلك النفس الطاهرة رائضُها العلم، ونديمها الحلم، وسجنها الخوف، وميدانها الرجاء، وبُستانها الخلوة، وكنزها القناعة، وبضاعتها اليقين، ومركبها الزهد، وطعامها الفكر، وحُلواها الأنس، وهي مشغولة بتوطئة رحلها لرحيلها، وعينُ أملها ناظرة إلى سبيلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت