فهرس الكتاب
قال ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد (ج18 ص40) : (روي من حديث أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال:(قال رجل لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد) وهذه اللفظة إن صحت [1] ، رفعت الاشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل، فهي صحيحة من جهة المعنى والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله عزوجل قد أخبر أنه (لا يغفر أن يشرك به) لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة، وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: (لم يعمل حسنة قط) أو (لم يعمل خيرًا قط) لم يعذبه - إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير، وهذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض والدليل على أن الرجل كان مؤمنًا، قوله حين قيل له: (لم فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب) والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم - كما قال الله عزوجل: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر:28] ، قالوا: كل من خاف الله آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده).اهـ
قلت: وهذا الكلام استحسنه فضيلة الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله بقوله في الصحيحة (ج7 ص111) : (هذا كله كلام الحافظ ابن عبدالبر، وهو كلام قوي متين يدل على أنه كان إمامًا في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا) . اهـ
وقال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (ج12 ص491) بعد أن ساق الحديث برواية"الصحيح"وذكر أنه حديث متواتر: (وهنا أصلان عظيمان:
أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
(1) قلت: صحت والحمد لله كما سبق تخريجها.