الصفحة 10 من 23

المطلب الثالث

قاعدة سد الذرائع ومراعاة الظروف والأحوال

الذرائع في اللغة: جمع ذريعة، بمعنى الوسيلة أو السبب ( [56] ) . ومعنى سدها أي منعها وتقييدها. واصطلاحًا: منع الوسائل المشروعة إذا أدت إلى مآلات ممنوعة، حسمًا لمادة الفساد، ومحافظة على مقاصد الشريعة ( [57] ) . ومعناه: أن كل وسيلة كانت مشروعة في الأصل، توسل بها، أو كانت في ذاتها ـ في ظل ظرف من الظروف ـ تؤدي إلى نتائج غير مشروعة؛ أو إلى خلاف قصد الشارع من تشريعها؛ فإنها تغدو غير مشروعة، وبالتالي يجب أن تمنع، حتى لا يترتب عليها أضرار ومفاسد. وسواء كانت هذه الوسيلة، من المباحات، أو الحريات العامة، أو من الحقوق المشروعة في الأصل. ذلك أن الشريعة لم تشرع هذه المباحات، والحقوق، لتفضي ـ مآلا ًـ إلى المحرمات أو المفاسد والأضرار؛ بل شرعها ـ كونها وسائل إلى غايات مقصودة ـ من أجل تحقيق المصالح لأصحابها؛ فإذا ما انقلبت هذه المباحات ـ بسبب من القصد غير المشروع (أي الدافع الذاتي الباطن) أو بسبب من تحكم الظروف الطارئة الخارجية التي لا إرادة للمتسبب أو المتصرف في نتائجها ـ إلى خلاف ما شرعت له، بأن كانت لا تحقق لصاحبها مصلحة، بل تؤدي إلى مفسدة، أو تحقق له مصلحة، إلى جانب مفسدة أكبر في حقه، أو في حق غيره، أو مصلحة خاصة، مقابل مفسدة عامة؛ فإن على ولي الأمر ـ سياسة ـ أن يقيد تلك الحرية، أو يمنع التصرف في الحق؛ درءً لنتائجها الضررية في تلك الظروف، حتى إذا ما زالت تلك الظروف، التي كانت سببًا في التقييد، عاد الحكم الأصلي كما كان، أو عاد العمل بالحرية العامة، أو التصرف في الحق المشروع. وهذا التقييد للحريات العامة، والحقوق الخاصة، في الظروف الاستثنائية، لما يترتب عليها من أضرار أو مفاسد، إنما مستنده المصلحة والعدل، أي رعاية المقاصد العامة للتشريع الإسلامي؛ منعًا من الافتئات عليها بطريق غير مباشر، باتخاذ وسيلة مشروعة في الظاهر، لتحقيق غرض غير مشروع، أو بإفضائها بذاتها إلى مآل ممنوع، في ظروف معينة، حتى لو كان القصد مشروعًا؛ إذ إن العبرة بالنتيجة المادية، دون التفات إلى القصد ( [58] ) .

ولذلك فإن الوظيفة التي تنهض بها هذه القاعدة، هي العمل على توثيق الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية، من جلب المنافع، ودرء الأضرار والمفاسد ( [59] ) .

وهذه القاعدة تفرعت عن أصل النظر في المآلات، الواقعة أو المتوقعة، وهو أصل مقطوع به، واجب الاعتبار في الوقائع المختلفة، بظروفها وملابساتها المحتفة، لذلك قال الإمام الشاطبي:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا .." ( [60] ) . كما أن هذا التقييد للحقوق والحريات - في ظل الظروف المتغايرة - إنما هو سلطة تقديرية واسعة، منحته الشريعة الإسلامية لولي الأمر، رعاية للمصلحة والعدل، سياسة تشريعية، تسدد خطى الاجتهاد التطبيقي في تقدير الوقائع والحوادث بظروفها، وملابساتها، وما تفضي إليه من نتائج أو مآلات غير مشروعة.

الأدلة على حجية هذه القاعدة: تنهض بحجية قاعدة سد الذرائع، نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، واجتهاد الصحابة. فمن الكتاب: 1 - قول الله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم" [سورة الأنعام: 108] . فالآية الكريمة حرَّمت على المسلمين سب آلهة المشركين أمامهم، وإن كان هذا السب أو الانتقاص من آلهتهم مشروع في الأصل، أو كان بقصد مشروع، وهو التعبد لله تعالى بهذا السب، وذلك لما يفضي إلى مآل ممنوع، في تلك الحال، وهو أن يهب المشركون - كردِّ فعل لما سمعوا من امتهان آلهتهم - لسب الذات الإلهية، وهو مآل ممنوع وقبيح، وسيلته ذلك السب الذي كان في أصله مشروعًا، فمنع لهذا الاعتبار. 2 - قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا .." [سورة البقرة: 104] . منعوا من قول"راعنا"، مع أنها كلمة يقولها الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - تأدبًا مع مقام النبوة، إلا أنها لما كانت تفضي إلى مآل ممنوع، وهو توسل اليهود بها للتطاول على مقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، منعوا من ذلك، واستبدلوا بها كلمة أخرى تحمل نفس المعنى، إلا أنها مأمونة من الاستخدام السيئ، من قبل الغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت