الصفحة 11 من 23

وأما من السنة: 1 - فقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تقطع الأيدي في الغزو" ( [61] ) . نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إقامة حد السرقة، وقت الغزو والجهاد، أي في هذا الظرف العسكري، حتى لا تترتب على إقامة هذا الحد - في هذا الظرف - مآلات فاسدة، كأن يلحق بالكفار حمية وغضبًا، أو خوفًا، فيفشي أسرار المسلمين إلى العدو، أو يؤدي إلى انتقاص عدد المجاهدين، الذين هم في حاجة ماسة في هذا الظرف إلى كل فرد من أفرادهم في إعلاء كلمة الله والذود عن الحمى والحرمات. وما شرع الحد، ليكون مآله ترتب مفاسد على المسلمين، وإنما شرع لمصلحة حفظ الأموال، ومصلحة الإسلام والمسلمين في هذا الظرف أولى وأهم من مصلحة حفظ أموالهم ( [62] ) .

2 -امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين، وعلَّل ذلك بقوله:"أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وفي رواية البخاري ومسلم قال لعمر:"معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" ( [63] ) . فقد امتنع عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين، وهو مشروع، لما فيه من مصلحة التخلص من مكرهم وما يثيرونه بين صفوف المسلمين من فتنة، وزعزعة الجبهة الداخلية للمجتمع الإسلامي، ونقل أسرار المسلمين إلى أعدائهم، إلا أن مفسدة التحدث عن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه، أعظم من مصلحة التخلص منهم. أي لما في ذلك من الحرب الإعلامية المشوهة لحقيقة الإسلام، وصفات رسول الإسلام الذي بعث رحمة وهداية للناس، وهو مآل ممنوع شرعًا ولا ريب ( [64] ) . وغير ذلك من الأدلة من السنة ( [65] ) .

وأما من اجتهاد الصحابة: 1 - فمن مثل ما حكم به عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - بتوريث المطلقة طلاقًا بائنًا في مرض الموت، استثناء من القاعدة العامة التي تقضي بعدم التوارث بين الزوجين إذا انتفى سبب الزوجية بالطلاق البائن. وليس لهما من مستند في ذلك إلا العدالة، وصون الحق؛ ذلك أن الطلاق البائن في مثل هذا الظرف - مرض الموت - قرينة على قصد الزوج الفرار من توريث زوجته، وهذا قصد غير مشروع، فيعامل بنقيض قصده؛ لأن الطلاق - وهو حق مشروع للزوج - لم يشرع من أجل أن يفضي إلى الحرمان من التوارث، فلما اتخذ هذا الحق ذريعة إلى قصد غير القصد الذي شرع الطلاق من أجله، كان ذلك مناقضة لإرادة المشرع، ومنافاة للعدالة، ومناقضة المشرع باطلة، فما يؤدي إليها باطل، لذلك حكما بالتوريث منعًا من التوسل بما هو مشروع إلى ما هو ممنوع ( [66] ) يقول الشاطبي:"كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، ومن ناقضها، فعمله في المناقضة باطل"فما يؤدي إليه باطل ( [67] ) . 2 - روى ابن جرير الطبري بسنده إلى سعيد بن جبير قال:"بعث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - بعدما ولاَّه المدائن، وكثر المسلمات:"أنه بلغني أنك تزوجت من أهل المدائن من أهل الكتاب، فطلِّقها". فكتب إليه: لا أفعل، حتى تخبرني: أحلال أم حرام؟ وما أردت بذلك؟ فكتب إليه:"لا، بل هو حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، فإذا أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم". فقال: الآن. فطلَّقها" ( [68] ) . وفي رواية الطبري: ولكني أخاف أن تتعاطوا المومسات منهن" ( [69] ) . وفي رواية:"الجاسوسات منهن" ( [70] ) . وهذا من عمر تقييد لأصل الإباحة العامة الثابتة في قوله تعالى:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب" [سورة المائدة: 5] . ولكنه أدرك بثاقب بصره أن الشريعة مبنية على الاحتياط والحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقًا إلى الأضرار والمفاسد ( [71] ) ، لا سيما إذا كان متعلقها المصلحة العامة. فقد بنى عمر بن الخطاب اجتهاده التطبيقي، في أمر واليه بالتطليق، على نتيجة متوقعة من هذا الزواج، الذي هو في أصله مباح، وهي"الخشية من وقوع الفتنة بين المسلمات"أو"الخشية من تعاطي الجاسوسات منهن"أو"المومسات منهن"على الروايات المتعددة في ذلك. وكل علة من هذه العلل، التي تشكلت بسبب من تحكم ظروف الفتح الجديد لفارس، كفيلة بأن تكون سببًا في نفي الحل العام؛ لأن الشارع الحكيم لم يشرع هذه الإباحة، ليكون مآلها المفسدة، أما وقد تبدلت بيئة التشريع، واستجدت ظروف متغايرة، فإن لهذه الظروف المتغايرة أثرًا بالغًا في تكييف الفعل بالمشروعية، أو عدم المشروعية، على ما قرره علماء الأصول. ولذلك لما كان مآل العمل بالإباحة العامة في مسألة الزواج بالكتابيات في ظل الظروف السياسية والعسكرية لفتح فارس، التأثير على المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي أوقف عمر بن الخطاب العمل بها في ظل تلك الظروف، نظرًا لما يترتب عليها من مآلات مضادة لقصد الشارع من تشريع الحكم."

هكذا يتبين لنا بعد استعراض نماذج من الأدلة المختلفة من الكتاب، والسنة، واجتهاد الصحابة التطبيقي، أن قاعدة سد الذرائع، أصل من الأصول التشريعية القطعية ( [72] ) ، التي اعتبرها الشارع في التشريع والتطبيق، ولذلك اتفق على العمل بها كل الأئمة والمذاهب الفقهية، وإنما وقع الاختلاف في التطبيقات الفرعية، من باب تحقيق المناط. وهي من قواعد الشرع العظيمة التي توثق المصلحة الشرعية، وتوائم عمليًا بين المقاصد الشرعية، وبين الأحكام الشرعية العملية، في التطبيق الواقعي على الوقائع المختلفة بظروفها وملابستها المحتفة، كونها وسائل إلى تلك المقاصد، والوسيلة إذا لم تحقق مقصدها عمليًا تسقط شرعيًا، للقاعدة الشرعية"كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة" ( [73] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت