الصفحة 12 من 23

وبهذا تبين أن سد الذرائع خطة تشريعية، وضعت من أجل توثيق المشروعية، بالمحافظة على المقاصد الشرعية، منعًا من التوسل بما هو مشروع إلى ما هو ممنوع، درءً للمآلات الفاسدة من هذا التذرع. بمعنى توثيق المشروعية من حيث المآل، وذلك بتقييد الوسائل من المباحات أو الحريات العامة، أو الحقوق، حتى لا تفضي - في ظل الظروف والأحوال الإنسانية المختلفة - إلى مآل ممنوع.

المطلب الرابع

قاعدة العرف ومراعاة الظروف والأحوال

تعريف العرف: في اللغة: ترجع معاني مادة (ع ر ف) إلى أصلين، هما: الأول: تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض. والثاني: السكون والطمأنينة. ومن الأول: وهو التتابع والاتصال: عُرْف الفرس، سمي بذلك لتتابع الشعر عليه. يقال: جاءت القطا عُرْفًا عُرْفاُ، أي بعضها في إثْر بعض. ومنه قوله تعالى:"والمرسلات عُرفًا" [سورة المرسلات: 1] - في أحد معنييه - ( [74] ) أي متتابعات. ومن الأصل الثاني: وهو السكون والطمأنينة: المعرفة والعرفان، وهو: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره. تقول: عرف فلان فلانًا عِرْفانًا، ومعرفة: عرفه. وهذا يدل على ما ذكر من سكونه إليه؛ لأن من أن أنكر شيئًا توحش منه، ونبا عنه. والعُرْف: المعروف، سمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه ( [75] ) .

في الاصطلاح: وردت تعريفات عدة للعرف في اصطلاح الأصوليين والفقهاء، اخترت منها ثلاثة: الأول: هو"ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول" ( [76] ) . والثاني:"ما يغلب على الناس، أو طائفة منهم، من قول أو فعل، أو ترك" ( [77] ) .

والثالث:"عادة جمهور قوم، في قول أو فعل" ( [78] ) .

وإذا أردنا بيان حد العرف المعتبر شرعًا، أضفنا إلى أحد التعريفات الثلاثة، قيدًا يفيد عدم مصادمة النصوص أو القواعد الشرعية ( [79] ) . فيكون بذلك حد العرف المعتبر شرعًا:"ما يغلب على الناس، أو طائفة منهم، من قول أو فعل أو ترك، فيما لا يصادم نصًا، أو قاعدة شرعية" ( [80] ) .

حجية العرف: العرف أصل معتبر من أصول الشريعة الإسلامية يرجع إليه في معرفة الأحكام ( [81] ) ، وإنزالها على مقتضى أعراف الناس وعاداتهم، مما ليس فيه نص شرعي، أو مما أحالته الشريعة عليه. وقد استدل العلماء على حجيته بجملة من الأدلة، ومنها: 1 - قول الله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف .." [سورة الأعراف: 199] . فالآية الكريمة تأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ورائه العلماء، بالاحتكام إلى ما تعارفه الناس، وساروا عليه في تعاملاتهم، فدل على حجية العرف، ووجوب العمل به، فيما لا يتعارض مع أصول الشريعة ومقاصدها ( [82] ) .

2 -ما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه:"ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح" ( [83] ) . فالحديث الشريف يقرر أن ما يراه المسلمون بعقولهم، من الأعراف والعادات والمعاملات والتصرفات وغيرها، وساروا عليه في تعاملاتهم، دون إنكار منهم، فيما لا يتعارض مع القواعد والنصوص الشرعية، فهو حسن عند الله، وما كان حسنًا عند الله، فهو حجة شرعية يوجب الاعتبار والعمل ( [84] ) .

3 -عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًا؟ قال:"خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف" ( [85] ) . فقد أحالها عليه الصلاة والسلام إلى العرف ( [86] ) ، وهو هنا تقدير خاص، يرجع إلى الحاجة، وهي حد الكفاية لها وبنيها. وقد أحال الشرع على العرف في أشياء كثيرة، ولم يحدد فيها مقدارًا معينًا، بل ترك أمر التقدير إلى العرف، من ذلك:

-قوله تعالى:"ومن كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف" [سورة النساء: 6] . أحالت الآية الكريمة ولي اليتيم في الأكل من ماله على العرف، وهو مقدار الكفاية ( [87] ) .

وهكذا في النفقة والسكن والكسوة، والحيض والطهر وسن اليأس وأكثر مدة الحمل، وغيرها كثير ( [88] ) . فهذه الأدلة وغيرها، تثبت حجية العرف، وأنه أصل من أصول التشريع، يوجب العمل به، فضلاُ عما تقرر من أصول شرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت