توجب مراعاة الأعراف والعوائد وتحكيمها في شؤون حياة الناس في المجالات التي لم تنص عليها الشريعة، أو لم تقدر فيها مقادير خاصة، بل تركتها للتقدير العرفي، من هذه الأصول: 1ـ أصل رفع الحرج: إذ إن"العادة طبيعة ثانية"لمالها من سلطة على النفس البشرية ( [89] ) ولما لها من تمكن في الحياة الاجتماعية، يصعب تخليص الناس منها، ونزعهم عنها،"ونزع الناس عن عاداتهم فيه حرج بيِّن" ( [90] ) . فرفع الحرج عن الناس، كأصل من أصول التشريع، يوجب اعتبار العرف، والعمل به، وتحكيمه بين الناس؛ لذلك قال الشاطبي:"إن العوائد لو لم تعتبر؛ لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز، أو غير واقع .." ( [91] ) . 2 - أصل اعتبار المصالح: فقد جاء الشرع باعتبار المصالح، وتحكيم الناس في أعرافهم، يحقق لهم المصلحة؛ لأن العرف في أصله قام على أساس المصلحة ( [92] ) .
منهج التشريع الإسلامي في التعامل مع الواقع المعيش"الأعراف والعادات": واعتبار العرف، والعمل به جار على سنن الشارع في تشريع الأحكام، ومراعاة الأحوال الإنسانية، والعوائد المستقرة. فقد جاء الإسلام وللعرب عادات وأعراف يسيرون عليها في حياتهم الاجتماعية، وتنظيم علاقاتهم، ومعاملاتهم المختلفة. عادات فيها الصالح وفيها الفاسد، وفيها ما هو مشوب بالمصالح والمفاسد. والإسلام بما هو دين الفطرة الإنسانية السليمة، وتشريعاته جاءت لتلبية المطالب والمصالح الإنسانية، لم يتعامل مع هذه الأعراف والعوائد بأسلوب واحد؛ بل تفاوت موقفه من الحياة الاجتماعية والقانونية، بحسب طبيعة تلك النظم والعلاقات، من حيث قربها أو بعدها، أو توافقها أو تضادها من قواعده وأحكامه ومقاصده، وبحسب استقرارها وتمكنها من النفوس والوجدان الحضاري، وبحسب تلبيتها للمصالح أو ما هو خلاف ذلك. هذا التفاوت في التعامل مع الأعراف الاجتماعية والقانونية دار بين: 1 - الإقرار. 2 - والتعديل3 - والإلغاء. فقد أقرَّ من البيوع ما كان قائمًا على التراضي، خاليًا مما يثير النزاع والخلاف، أو يوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل. وألغى ما عدا ذلك من بيوع الغرر؛ كبيع الملامسة، والمنابذة، والحصاة، وحبل الحبلة، وغيرها .. وأقر من الزواج النوع الذي يتوافق مع مقاصد الشريعة وأصولها، وهو الزواج القائم اليوم وألغى ما عدا ذلك من أنكحة الجاهلية الفاسدة. وأقر أصل الطلاق، ونظم طريقته، فقد كان الرجل في الجاهلية، يطلق زوجته كيفما شاء، وبأي عدد شاء، ويراجعها متى شاء. وجاء الإسلام، وأقر الطلاق في أصله، ولكن قيده في حدود ثلاث تطليقات، وبشروط مخصوصة. وأبقى نظام القصاص في القتل العمد، بعد أن ألغى العصبية وعادة الثأر، وأقر الدية على العاقلة في القتل الخطأ. وأقر القسامة. فأقر ما كان متوافقًا مع قواعده ومنسجمًا مع مقاصده من جلب المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق اليسر ورفع الحرج مع تهذيب ما يحتاج منها إلى تهذيب، وألغى ما يتنافى مع قواعده ومقاصده وأحكامه.
وبهذا يكون التشريع الإسلامي قد وضع المبدأ الواضح لاعتبار العرف وقرر فيه قاعدة سليمة، اعتبرها الأئمة والفقهاء في الاجتهاد والفتوى. وهي أن كل ما تعارفه الناس وساروا عليه، ولم يكن فيه حكم مقرر، يوزن بميزان المصلحة الشرعية بعيدًا عن الأهواء والشهوات. فإذا كان العرف يحقق للناس مصلحة راجحة، أو يدفع عنهم مفسدة كبيرة، ولا يخل بالمجتمع، قُبل وأقر العمل به، وصار من الشريعة المتبعة، وإن كان غير ذلك، أُلغي وأهدر، لا فرق في ذلك بين العرف العام، والعرف الخاص ( [93] ) .
تخصيص النصوص العامة بالعرف مراعاة للأحوال الإنسانية بتحقيق المصالح لهم: من سنن الشارع الحكيم في مراعاة الأحوال الإنسانية باعتبار ما استقرت عليه عوائدهم، تلبية للمصالح الحاجية: تخصيص النصوص العامة بالعرف المستقر، الذي يقتضي هذا التخصيص تحقيق مصلحة معتبرة. من هنا، فإننا نجد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا نهى عن شيء نهيًا عامًا، لما فيه من مفسدة، يستثني من هذا النهي العام موضع العادة أو العرف، لارتباطه بالمصلحة، ولأن في هذا التعارف ما يدفع تلك المفسدة التي هي مناط النهي العام. من ذلك:
1 -الترخيص في السلم، لتعامل الناس به، وحاجتهم إليه ( [94] ) . 2 - الترخيص في العرايا، وهو بيع متحقق فيه الربا، لعدم تساوي البدلين، ورخص فيه لتعارف الناس التعامل به، لتعلق حاجتهم فيه، دفعًا للحرج عنهم. 3 - استثناء الإذخر من حكم النهي عن قطع شجر الحرم، لاعتيادهم تسقيف البيوت به، وسد الخلل بين اللبنات في القبور، ولصنائعهم، في وقود النار.
فواضح من هذه الأمثلة وغيرها، أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما نهى عن هذه الأمور الثلاثة نهيًا عامًا، ووجد أن للناس عادة قد اعتادوها في بعض صور النهي، وأن من العسير عليهم ترك ما اعتادوه، رخص لهم في موضع العادة، وخصص النص به، تحقيقًا لمصالحهم المرتبطة بما اعتادوه، ودفعًا للحرج عنهم ( [95] ) . وهذا المنهج الذي سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مراعاة أحوال الناس وعاداتهم، تلبية لمصالحهم المتعلقة بها، ودفعًا للحرج عنهم، يجب ترسمه في الاجتهاد التطبيقي؛ لأنه من سنن الشارع الحكيم في معالجة الواقع الإنساني، واعتبار العادات والأعراف. وهو ما سار عليه الأئمة المجتهدون من بعده، وفق سنن الشارع ومقاصده. ولذلك كان من أنواع الاستحسان عند الحنفية والمالكية: الاستحسان الذي سنده العرف، كتجويز عقد الاستصناع، وحمل كلام الناس على ما جرت به ألسنتهم، وفق معانيهم