الصفحة 14 من 23

ومقاصدهم منها، كما في الأيمان وغيرها ( [96] ) . وليس معنى هذا، أن الأئمة يبطلون العمل بالنصوص الشرعية، لمجرد عرف طارئ عليها، أو يتهاونون في إعمالها في الواقع الإنساني، لمجرد كونه أمرًا معتادًا، تعارفه الناس واقعًا؛ بل خصصوا بالعرف العام الطارئ، بعض النصوص الشرعية العامة؛ لأنه يعبر عن حاجة متعلقة به، أو مصلحة ارتبطت به. وأصل الشريعة تقضي بوجوب رعي المصالح، ورفع الحرج ودفعه."فيكون ذلك التخصيص - في الحقيقة - تخصيصًا بمجموعة النصوص النافية للحرج، والداعية إلى التيسير، والنصوص التي تستثني مواضع الضرورة" ( [97] ) كما رأينا من قبل.

تغير الأحكام بتغير العرف: مما هو مقرر أصوليًا أن الأحكام الشرعية تدور مع عللها وجودًا وعدمًا. وإذا كان مناط الحكم الشرعي هو العرف، أو المصلحة الزمانية المرتبطة به، فإن الحكم الشرعي يتغير بتغيره، أو بتغيرها، لا محالة. والذي يدخل في هذا النوع من الأحكام المتغيرة، هي الأحكام الاجتهادية، التي ارتبطت بالمصالح المتغيرة بتغير الأعراف، والأزمان، والبيئات. وهذا أصل مقرر، وهو من سنن الشارع الحكيم، كما رأينا في تخصيص النصوص العامة، وهو ما سار عليه الأئمة والتزموه في الاجتهاد التطبيقي. جاء أبو البحتري إلى شريح القاضي، فقال له:"ما الذي أحدثت في القضاء؟! فقال:"إن الناس قد أحدثوا فأحدثت" ( [98] ) ."

وقال إياس بن معاوية:"قيسوا القضاء ما صلح الناس، فإذا فسدوا فاستحسنوا"ثم قال:"ما وجدت القضاء إلا ما يستحسن الناس". أي أجروا القواعد العامة على عمومها في الأحوال والظروف المستقرة، وبقاء الناس على الصلاح، فإذا تغيرت الظروف والأحوال بالناس، فصار في إجرائها على عمومها، بسبب من تغير الناس وفسادهم، ما يوقعهم في الحرج، أو ما لا يتناسب مع أحوالهم، فاستثنوا من هذه القواعد، بما يتناسب مع أوضاع الناس. وقال عمر بن عبد العزيز:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور" ( [99] ) . أما إبقاء الأحكام التي مناطاتها الأعراف والعادات المتغيرة، على اطرادها وعمومها، بالرغم من تغيرها، فهو خلاف الإجماع، ومخالفة لسنن الشارع في التشريع، ومناف للعدل والمصلحة. قال القرافي:"إن جري هذه الأحكام التي مدركها العوائد، مع تغير تلك العوائد، خلاف الإجماع، وجهالة في الدين. بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة، إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" ( [100] ) . ويقول توجيهًا لمن يتصدر للفتوى:"فمهما تجدَّد العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك؛ بل إذا جاء رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، والمقرر في كتبك. فهذا هو الحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين" ( [101] ) .

ذا هو الأصل المقرر، والمنهج المتبع؛ لأن التشريع الإسلامي لم ينزل في فراغ، وإنما أحكامه ارتبطت بحياة الناس ومصالحهم، وبظروفهم وأحوالهم. ولذلك نرى كثيرًا من الأحكام الاجتهادية ارتبطت بالعرف، وجودًا وعدمًا. وهو أصل معتبر عند المذاهب كلها. قال القرافي:".. أما العرف فمشترك بين المذاهب الفقهية، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها" ( [102] ) . فتبين من كل ما سبق، أن الحكم الشرعي المبني على العادة المتغيرة، أو المصلحة الشرعية المرتبطة بالعادة المتغيرة، يتغير الحكم تبعًا لتغيرها، سواء كانت هذه العادة المتغيرة تحقق مصلحة ضرورية، أم مصلحة حاجية، إذ الحكم يرتبط بمناطه ارتباطًا وثيقًا. والمناط هنا، هو العرف، أو المصلحة التي يمثلها العرف. وأنت ترى بكل ذلك، كيف أن التشريع الإسلامي، باعتباره العرف أصلًا من أصول التشريع، كيف أنه يحقق مصالح الناس، ويراعي ظروفهم وأحوالهم، ويسير معها أنى سارت، وكيف أنه يحترم عقولهم ومداركهم التي تنشئ الأعراف والعادات، وتبني العلاقات الاجتماعية، وتكوِّن المصطلحات العرفية، فيبني عليها أحكامه، ويفسرها ضمن مقاصدهم ومعانيهم فيها، تحقيقًا للمصالح الإنسانية، واستجابة لدواعي الفطرة الإنسانية ومقوماتها في كل زمان ومكان، ورفعًا للحرج والمشاق عن الناس. يقول ابن القيم تحت فصل"تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد":"هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به .." ( [103] ) . ويقرر ابن عابدين في رسالته"نشر العرف .."هذه الحقيقة، فيقول:"كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله، أو حدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا، للزم منه المشقة، والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد" ( [104] ) . وهذا من العدل الذي جاءت به الشريعة، وأمرت بتحقيقه، وجعلته ميزانًا بين الناس. يقول ابن عابدين:"إن جمود المفتي أو القاضي على ظاهر المنقول، مع ترك العرف والقرائن الواضحة، والجهل بأحوال الناس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة، وظلم خلق كثيرين" ( [105] ) .وقال ابن القيم:"الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال، كفقهه في كليات الحوادث، ضيع الحقوق" ( [106] ) . وعلى هذا، فالفقيه لا بد أن يكون على معرفة تامة بأحوال الناس وأعرافهم وعوائدهم، حتى يكون عالمًا بأعذارهم وظروفهم، ومواضع ضرورتهم وحاجياتهم، متحققًا بالرفق، والعدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت