، والإحسان؛ وإلا تنكب هذا الطريق، وجافى العدل، وأوقع الناس في الحرج ( [107] ) . هذا، وقد تفرع عن هذا الأصل، عدة قواعد فقهية، ذات تطبيقات متعددة في أبواب الفقه المختلفة، من مثل:"العادة محكمة"المادة /36 من مجلة الأحكام العدلية ( [108] ) "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"المادة /43 من المجلة ( [109] ) ."المعروف بين التجار كالمشروط بينهم"المادة /44 من المجلة ( [110] ) ."التعيين بالعرف كالتعيين بالنص"المادة /45 من المجلة ( [111] ) .
خاتمة
لقد جاء التشريع الإسلامي من أجل تحقيق المصالح الإنسانية في الحال والمآل، في الظروف والأحوال العادية، وفي الظروف والأحوال الاستثنائية الطارئة، على المستوى العام والمستوى الخاص، في كل المجالات: في العبادات وفي المعاملات التي تغطي جميع مجالات الحياة الإنسانية، و في الدنيا والآخرة. ولقد نهضت بوظيفة مراعاة الظروف والأحوال الإنسانية الطارئة قواعد أصولية عامة، كقاعدة العدل والمصلحة التي تتدخل في ضبط عملية الاجتهاد التطبيقي، وتسدد خطى المجتهد في الوقائع المختلفة، خاصة عند تحكم الظروف الطارئة، بحيث يرعى تحقيق المصلحة عدلًا؛ منعًا من ترتب مآلات ممنوعة شرعًا. وقاعدة الاستحسان التي تنهض بوظيفة معالجة غلو اطراد القواعد العامة في الظروف والأحوال الاستثنائية.
أما قاعدة سد الذرائع؛ فإنها تعمل على المحافظة على مقاصد التشريع الإسلامي العامة في الواقع الإنساني، والوقاية من المآلات غير المشروعة، منعًا من الافتئات على الشرع، بالتوسل بأحكامه إلى خلاف مراد الشارع وقصده، بقصد أو من غير قصد؛ لأن العبرة في التشريع بالنتائج المادية، ولا يلتفت إلى القصد الحسن إذا كان المآل ممنوعًا شرعًا، وذلك من أجل توثيق الأصل العام التي قام عليه التشريع الإسلامي كله، وهو رعي المصالح واعتبارها في الوقع الإنساني، مواءمة بين التشريع والتطبيق.
وتحكيم العرف واعتماده أصلًا من أصول التشريع يدل على مدى احترام التشريع الإسلامي للعقل الجمعي للناس الذي ينشئ العادات والأعراف التي تحكم طبيعة العلاقات الإنسانية، تلبية للمصالح الإنسانية التي لا تتعارض مع مقررات الشريعة أصولًا ومقاصد. ودليل على استجابة التشريع الإسلامي لمقررات الفطرة الإنسانية ومقوماتها، حيث تميل إلى الأنس بما اعتادته وألفته، وتتضرر بنزعها عن العوائد والطبائع، حتى قيل"إن العادة طبيعة ثانية"، فكما يعسر على النفس نزعها من طبعها وعادتها، فكذلك الحال في نزع الناس عن عاداتهم وأعرافهم التي استقرت في وجدانهم، فصارت جزءً من كيانهم الاجتماعي، وعنوانًا لحضارتهم وثقافتهم. من هنا، جاء التشريع الإسلامي مقررًا لها ومعترفًا بها؛ احترامًا لشخصيتهم الاجتماعية، وكيانهم الحضاري؛ إلا أن تكون هذه الأعراف والعوائد مصادمة لنص شرعي، أو متعارضة مع مقصد شرعي، أو مع النظام الشرعي العام، فحينئذ لا اعتبار لعرف هو كذلك، وهو"العرف الفاسد"ومع ذلك؛ فإن سياسة التشريع الإسلامي في تغيير الأعراف الفاسدة تقوم على أساس التدرج في التغيير، حتى يستجيب الناس لتعاليمه، ولا يلزم عن التغيير أي ضرر أو مفسدة؛ لأن التشريع الإسلامي ينشد في أي تغيير تحقيق مصالح الناس، لا التغيير لذات التغيير.
الهوامش:
[1] الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: د. مصطفى حلمي، د. فؤاد عبد المنعم أحمد.
173. (الاسكندرية: دار الدعوة 1411هـ ـ1990م) ط: 3، ص:173.
( [2] ) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، (بيروت: مطبعة دار السعادة) ط، لا يوجد، ج: 3، ص: 3