الاستحسان والظروف: تبين - مما سبق - أن الإبقاء على اطراد الأحكام والقواعد العامة في كل الأحوال والظروف، دون استثناءات أو رخص، أو تخصيص في بعض الحالات والجزئيات قد يؤدي - بالنظر إلى ظروف التطبيق الملابسة - إلى مآلات أو نتائج تناقض قصد الشارع فيما شرع، وتتعارض مع المصالح التي راعتها الشريعة، وتنافي العدل الذي هو أصل مقرر، وغاية تشريعية، فكان المنهج التشريعي - محافظة على التناسق بين الأصول وكليات الشريعة وجزئياتها - يقتضي هذا الاستثناء، أو التخصيص بإخراج بعض أفراد الأصل أو الحكم العام من شمول حكمه لها، تحقيقًا للعدل والمصلحة، ومراعاة لهذه الظروف والأحوال التي يؤدي إعمال تلك النصوص وأحكامها العامة أثناء ملابستها، إلى الحرج والمشقة أو المفسدة ( [46] ) .
من هنا، فإن الاستحسان كقاعدة وأصل تشريعي، يعتبر من سنن الشارع الحكيم في التشريع والتطبيق، مما يوجب على المجتهد الاهتداء والاسترشاد به في الاجتهاد التطبيقي، معالجة للواقع، بحيث يحقق المصالح المعتبرة شرعًا، وأن لا يتعسف في التطبيق بإجراء الأحكام والقواعد العامة على اطرادها في كل الوقائع بظروفها المتغايرة، دون نظر إلى نتائجها أو مآلاتها في ظروف التطبيق، حتى لا يتنكب طريق العدل والمصلحة. لذلك يقول ابن رشد:"ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو التفات إلى المصلحة والعدل" ( [47] ) .
وأصل الاستحسان هو قدر متفق عليه بين الأئمة المجتهدين، ومذاهبهم الفقهية، بين مضيق وموسع. سواء كان هذا التخصيص بالنص، أو بما سواه من الأدلة المعتبرة شرعًا؛ كالمصلحة الضرورية، والمصلحة الحاجية، والعرف، وأصل رفع الحرج، ونفي الضرر، وغيرها. قال العز بن عبد السلام في كتابه"قواعد الأحكام .."- وهو شافعي المذهب - في قاعدة المستثنيات:"اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربو على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء المفاسد في الدارين، أو في أحدهما، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربو على تلك المفاسد. وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم، ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما"خالف القياس"وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصرفات" ( [48] ) . وهذا هو مفهوم الاستحسان في المذاهب الأخرى. ثم ذكر أمثلة كثيرة في كل نوع ( [49] ) ، على هذه القاعدة التشريعية، تدل على أصالتها في التشريع، وفي مراعاة الظروف الاستثنائية، تنهض بها إلى درجة القطعية. وقد استدل ابن عبد السلام على مراعاة الشرع للمصلحة والعدل، وهما قوام الاستحسان، بما يلي، حيث يقول:"وأجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها، والزجر عن المفاسد بأسرها، قوله تعالى:"إن الله يأمر العدل والإحسان .." [سورة النحل: 90] قال:"والعدل: هو التسوية والإنصاف، والإحسان: إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة .." ( [50] ) . وقال:".. والإحسان لا يخلو من جلب نفع، أو دفع ضرر، أو عنهما .." ( [51] ) ."
هذا، والشافعي الذي أنكر الاستحسان، حتى قال:"من استحسن فقد شرع" ( [52] ) ، نقل عنه أنه يقول:"بنيت الأصول على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت .."قال ابن عبد السلام، تعليقًا على هذا القول:"يريد بالأصول: قواعد الشريعة، وبالاتساع: الترخيص الخارج عن الأقيسة واطراد القواعد. وعبر بالضيق عن المشقة" ( [53] ) . بمعنى أن قواعد الشريعة قامت على الاستثناء، والترخص، إذا كان إعمالها واطرادها يؤدي إلى ترتب نتائج - بسبب من تحكم الظروف الملابسة - لا يرضى عنها الشارع الحكيم؛ كالمشقات، والحرج، وهل معنى"الاستحسان"عند الحنفية، والمالكية، والحنابلة والقائلين بحجيته، إلا هذا؟!.
ويتلخص لنا من كل ما سبق أن الاستحسان"ينظر إلى لوازم الأدلة، ويراعي مآلاتها إلى أقصاها" ( [54] ) . فلو أدى تطبيق الحكم الشرعي في بعض الجزئيات - في ظل ظروف مغايرة لبيئة التشريع - إلى عكس المصلحة التي قصدها الشارع، من تشريع الحكم، فإنه يحجز الدليل العام عنها، وتستثنى وفاقًا لمقاصد التشريع. وفي الشرع من هذا كثير جدًا في أكثر أبوابه، وهو وإن لم ينص على أصل الاستحسان بأدلة معينة خاصة، إلا أنه يلائم تصرفاته، ومأخوذ معناه من موارد الأدلة التفصيلية، فيكون أصلًا شرعيًا كليا يبنى عليه استنباط الأحكام، وتطبيقها ( [55] ) .