الصفحة 8 من 23

يقول ابن رشد:"الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس، هو أن يكون طردًا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع، لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع" ( [38] ) .

الأدلة على حجية الاستحسان:

ومنهج الاستثناء من القوعد العامة، مراعاة للمصلحة في مرتبتي: الضرورة والحاجة، في الأحوال والظروف الطارئة، من سنن الشارع الحكيم، ومن الأصول المقررة شرعًا. قال الله تعالى:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [سورة البقرة:185ٍ] فاليسر مقصد شرعي بنص الآية، والعسر منفي شرعًا بنص الآية أيضًا، وقال تعالى:"وما جعل عليكم في الدين من حرج" [سورة الحج:78] فالآية تقرر أن الحرج عمومًا مرفوع شرعًا، ابتداءً، واستثناءً.

وآيات الاستثناء للضرورة، أو الأعذار، كثيرة، لا نريد أن نطيل بذكرها. وحسبنا أن نذكر بعضها، منها: قوله تعالى:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" [سورة البقرة:173] وقوله تعالى:"من كفر من بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" [سورة النحل:106] وقوله تعالى في استثناء أصحاب الأعذار من وجوب الجهاد:"لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر" [سورة النساء:95] . وغيرها كثير، وهي في جملتها تدل على أن مواضع الضرورات والحاجات مستثناة من حكم القواعد والأحكام العامة، وأن الاستثناء يكاد يعم أنواع التشريعات كلها، سواء الواجبات أو المحرمات، في العبادات، أو المعاملات؛ بل وفي أصل الدين، وهو الإيمان، إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان ( [39] ) . واستثناء مواضع الضرورة والحاجة في السنة من ذلك كثير جدًا، منها: 1ـ"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم" ( [40] ) .

2ـ"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب يالتمر خرصًا، ورخص في العرايا" ( [41] ) .

3ـ"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير للرجال، ثم رخص في لبسه للحاجة" ( [42] ) .

علمًا أن هذه مصلحة جزئية فردية، حيث إنه رخص لعبد الرحمن بن عوف، وللزبير بن العوام، من حكة كانت بهما، وهي موضع حاجة، لا ضرورة ـ كما ترى.

4ـ نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قطع شجر الحرم وحشائشه، واستثنى منه الإذخر؛ استجابة لطلب عمه العباس؛ لحاجة الناس إليه، لقينهم، وبيوتهم ( [43] ) .

وهذا الاستثناء من القواعد والأحكام العامة، بعدم إجرائها على اطرادها وعمومها، مراعاة للظروف الطارئة، والتي ينشأ عن عدم اعتبارها، بتطبيق النصوص على عمومها الزمني، دون اعتبار للظروف والملابسات، إيقاع الناس في الحرج والمشقة، وهو مضادة لقصد الشارع فيما شرع، هذا الاستثناء يعتبر مبدأ عامًا، وقاعدة كلية من قواعد الشرع، ومنهجًا تشريعيًا، يوجب على المجتهدين في اجتهادهم التطبيقي أن يلتزموه، في الحكم على الوقائع الزمانية، في الأحوال والظروف الاستثنائية، تحقيقًا للمصالح الإنسانية، الني راعاها التشريع الإسلامي، في مرتبي الضروريات، والحاجيات، سواء العامة منها، أو الخاصة، سيرًا على الأصول الشرعية العامة، من مثل: استثناء مواضع الضرورات، ورفع الحرج، ونفي الضرر، ودفع المشقة. ... موقف الصحابة من الاستحسان:

وهو المنهج الذي سلكه الصحابة - رضوان الله عليهم - حيث كانوا يستثنون بعض الوقائع - إذا اقتضت الظروف الطارئة - من عموم تطبيقات النصوص والقواعد العامة، دفعًا للحرج، ودفعًا للمضرة، والمفسدة. كما في منع عمر كبار الصحابة من مغادرة المدينة، إلا بإذنه ولأجل محدد، حيث منعهم من الخروج إلى الأقاليم وامتلاك الأراضي الواسعة. وتقييد هذه الحرية والحق، إنما اقتضته الظروف الاستثنائية، وهي حاجة الدولة إلى مشورتهم فيما يستجد من أمور المسلمين وهي مصلحة عامة، تفوق مفسدة تقييد حريتهم الخاصة. ومنعهم من امتلاك الأراضي، كان لمصلحة تتعلق بأمن الدولة ووحدتها، فقد أدرك عمر بثاقب نظره أنهم لو خرجوا إلى الأقاليم وامتلكوا الضياع الواسعة لتجمع الناس حولهم باعتبارهم في مقام القدوة كونهم أصحاب رسول الله، مما يؤدي إلى إعجاب العامة بهم، والتفافهم حولهم، وقد يسلم هذا إلى أن يؤدي إلى الافتتان بالدنيا، وتفرق كلمة المسلمين ( [44] ) .

وحكمهم بتضمين الصناع، علمًا بأن أيديهم أيدي أمانة، ويد الأمانة لا تضمن، إلا أنهم حكموا بتضمينهم، محافظة على أموال الناس في أيديهم، حتى قال علي أبي طالب - رضي الله عنه:"لا يصلح الناس إلا ذاك" ( [45] ) . والأمثلة على ذلك كثيرة، نعرض عنها خوف الإطالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت