الصفحة 7 من 23

مقرراتها، بما لا يلزم عنها في الواقع العملي بظروفه وملابساته، أي مضادة أو معارضة، بحيث إذا أدى إعمال النصوص الشرعية بطريقة آلية مبتسرة - في ظرف من الظروف - إلى مآلات تناقض هذه المقاصد العامة، وتصطدم بها، فإنه يجب إيقاف العمل بتلك النصوص آليًا، محافظةً على النظام الشرعي العام، ومحافظةً على التناسق التام بين الشريعة في أصولها وكلياتها، وبين جزيئاتها ( [31] ) . وعلى هذا، فإن المقاصد العامة - وهي المصالح المعتبرة شرعًا، والتي شرعت جميع الأحكام الشرعية لتحقيقها في الحياة الإنسانية - تعد حاكمة على جميع جزئيات الشريعة وأحكامها، إبَّان التطبيق، بمعنى أن الأحكام الشرعية العملية ما هي إلا وسائل لتحقيق تلك المقاصد الكبرى عمليًا؛ فإذا ما أدى الحال، وفقًا للظروف والملابسات والأحوال والواقع المعيش، إلى أن يكون مآل تطبيق الحكم الشرعي العملي إلى خلاف قصد الشارع - بسبب من تحكم الظروف - فإن الحكم يغدو غير شرعي في تلك الواقعة، نظرًا لذلك المآل الممنوع شرعًا، وبالتالي يجب إيقاف العمل به، لحين زوال المناط الذي أوجب وقف التنفيذ، أو استثناء الواقعة من عموم حكمها، وإدخالها ضمن أصل أو حكم شرعي آخر، وذلك حتى لا يتناقض الجزئي مع الكلي، أو لا يؤدي تطبيق الوسيلة - في الظروف المغايرة لبيئة التشريع - إلى منافاة مقصودها ( [32] ) .

المصالح المرسلة: وهي كل مصلحة لم يرد باعتبارها، ولا بإلغائها نص خاص، وهي مع ذلك تتفق مع الأصول والمقاصد العامة، وتحقق مصلحة عامة للأمة. وهذا النوع من المصالح تعد أصلًا شرعيًا ثابتًا، يجب العمل بمقتضاه، ولو لم يرد فيها نص أو إجماع أو قياس خاص؛ لأن مفاهيم الشريعة وروحها العامة وقواعدها الكلية توجب اعتبارها ورعايتها، على ما قضى به علماء الأصول المحققون ( [33] ) . وهذا الأصل يعطي الفقه الإسلامي الصلاحية للتطبيق، والاستجابة لمصالح الأمة في كل العصور والبيئات. هذا، والمصلحة الشرعية هي أساس العدل، والعدل هو المسوغ لمراعاة الظروف والأحوال الاستثنائية؛ درءً للمفاسد المترتبة عليها، أو المشاق والمضار الناجمة عن تحكها، إذ ليس من العدل والإنصاف أن تسوي في الحكم بين الواقعة في الأحوال والظروف العادية، وبين الواقعة نفسها عند تحكم الظروف وتغيرها، دون أن تلقي اعتبارًا لتغير المآل في الواقعتين؛ إذ الحكم في الأولى مآلها المصلحة التي شرع الحكم من أجل تحقيقها، والثانية ـ في ظرفها المتغير ـ مآلها مفسدة أو مشقة، أو مضرة، وهي حتمًا غير مقصودة، فالبقاء على الحكم نفسه مع تغير الظرف الذي مآله المفسدة غير المقصودة تنكب لمقصد الشارع، وهو ظلم، والظلم نقيض العدل.

المطلب الثاني

قاعدة الاستحسان ومراعاة الظروف والأحوال

تعريف الاستحسان: في اللغة: عد الشيء حسنًا ( [34] ) .

وفي الاصطلاح: لم يتفق الأصوليون على تعريف واحد للاستحسان، من حيث الصياغة اللغوية، إلا أن مؤدى تعريفاتهم له واحد مع تعدد صياغاتها. فقد عرفه أبو الحسن الكرخي من الحنفية بأنه:"عدول المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها، لوجه يقتضي هذا العدول" ( [35] ) . وعرفه ابن العربي من المالكية بأنه:"إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص، لمعارضة ما يعارض به بعض مقتضياته" ( [36] ) . قال الشاطبي: وهو في مذهب مالك: الأخذ بمصحة جزئية، في مقابل دليل كلي ( [37] ) .

ويتضح من هذه التعريفات أن الاستحسان يرجع إلى منهج الاستثناء من القواعد العامة، إذا كان في اطرادها وإجرائها على عمومها ما يؤدي إلى الضيق والمشقة، المنفيين شرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت