الصفحة 6 من 23

وأما المال فقد شرعت من الطرق والأحكام الكثيرة المؤدية إلى كيفية كسبه وتنميته واستثماره. وهكذا .. الثاني: الجانب السلبي: وذلك بما شرعت من النظم والأحكام الكفيلة بالمحافظة على هذه المقاصد ودرء الاختلال عنها، والجرأة على انتهاكها، أو التعدي عليها، كما في نظام العقوبات وأحكامه التي تحفظ هذه المقاصد بسياج منيع، وحمى مستحكم يؤدب به كل مخالف لهذه الأصول، وكل خارج عن النظام الشرعي العام للمجتمع الإسلامي. فمن أجل المحافظة على الدين من هذا الجانب، حرم الإسلام الارتداد عن الدين، وزجر عن ذلك بما وضع من عقوبة رادعة، وهي فتل المرتد، لقوله عليه الصلاة والسلام:"من بدَّل دينه فاقتلوه" ( [28] ) .

وبما منع من المجاهرة بالفسوق والعصيان، والدعوة إلى الضلالة والبدعة، وتأديب أصحابها بعقوبات رادعة. وحافظ على النفس من هذا الجانب، بما حرم من الاعتداء عليها، أو على ما دونها، محافظة على الحياة الإنسانية، وعلى حفظ الأمن والاستقرار في المجتمع الإنساني كاملًا؛ لأن النفوس كلها محافظ عليها شرعًا، لا يجوز الاعتداء عليها، إلا بأسبابها الشرعية.

ولذلك شرع عقوبات رادعة تمنع من هذا التعدي فالقاتل عمدًا يقتل"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" [سورة البقرة: 179] ، وغيرها من الأحكام. وحافظت الشريعة الإسلامية على العقل الإنساني من هذا الجانب، بما حرمت من تعاطي كل ما يؤذيه، أو يؤثر فيه سلبًا، كما في المسكرات بأنواعها، لأن ذلك مما يتعارض مع الكرامة الإنسانية، التي هي من مقاصد الشرع الكبرى:"ولقد كرمنا بني آدم .." [سورة الإسراء: 70] ،"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .." [سورة التين: 4] . كما حافظت على النسل والعرض، من حيث العدم، بأن حرمت الزنا ومقدماته، ووضعت عقوبات رادعة، من شأنها زجر وتأديب المخالف، كالرجم للمحصن، والجلد للبكر، وغيرها.

وحافظت على المال، من جانب العدم، أيضًا، بما حرمت من الاعتداء على أموال الناس، وأكلها بالباطل، كالسرقة والاختلاس والغش وغيرها.

ثانيًا: المصالح الحاجية ( [29] ) : وهي المتطلبات الهامة للحياة الإنسانية، والتي يؤدي انتفاؤها وعدم مراعاتها، إلى وقوع الناس في الضيق والمشقة والضرر. وهي أدنى مرتبة من الأولى؛ لأن الأولى - وهي الضروريات - يؤدي عدم اعتبارها إلى الهلاك أو ما يقاربه، وتختل بانعدامها الحياة، وتضطرب. أما هذه، فيؤدي عدم اعتبارها، أو عدم توفيرها، إلى الضيق والمشقة، لا إلى الهلاك أو ما يقاربه، كما في الأولى. وقد جاءت الشريعة الإسلامية، من أجل رعاية المصالح في هذه المرتبة بأصول، وأحكام ترفع هذا الضيق، ومن شأن رعايتها تلبية المطالب المهمة اللازمة للحياة، في سهولة ويسر، ابتداء. كما أنه في الأحوال والظروف الاستثنائية؛ فإن الشارع الحكيم يعمل على مراعاتها، رفعًا للضيق والمشقة عن أصحابها، عن طريق الاستثناء، بما وضع من قواعد وخطط تشريعية، تخرج تلك الوقائع - بسبب من تحكم الظروف - من عموم أحكامها، حتى لا يلزم عنها، مشقة أو ضرر منفي شرعًا.

فيكون بذلك التشريع الإسلامي، محققًا للحاجات الإنسانية المشروعة، ابتداءً، واستثناءً.

ثالثًا: المصالح التحسينية: وهي التي يجمعها الآداب والمروءات ومكارم الأخلاق، التي تجمل الإنسانية، وترقى بها إلى الكمال الإنساني. كالحث على الطهارات، وستر العورات، وأخذ الزينة، وآداب الأكل والشرب، والمنع من بيع النجاسات، وقتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد، وغيرها ( [30] ) . وهذه المقاصد العامة - التي مررنا على ذكرها بشكل موجز - ينبغي أن يستهدى بها في الاجتهاد، خاصة الاجتهاد التطبيقي، فهي تمثل في مجموعها"المشروعية العليا"و"القيم الحقيقية"التي يستهدفها التشريع الإسلامي بقواعده وأصوله العامة، وأحكامه، والتي ينبغي أن يُضبط مسار الاجتهاد في إطارها العام، وأن تنزل الأحكام الشرعية على الوقائع والحوادث وفق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت