الصفحة 5 من 23

ولكن في بحث الأصوليين لا يقصد بها الجلب العام، والدفع العام؛ لأن هذا من مقاصد الخلق في تحقيق المصالح؛ بل المقصود بالمصلحة - على ما يرى الغزالي - المحافظة على مقصود الشارع ( [21] ) . قال:"وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها؛ بل يجب القطع بكونها حجة" ( [22] ) . فالمصالح - إذن - هي المقاصد العامة للتشريع الإسلامي، الذي يستهدف تحقيقها في الحياة الإنسانية في شتى المجالات، وفي كل الظروف والأحوال. والمصالح تتفاوت في درجاتها ومستوياتها، وتختلف باختلاف الظروف والأحوال، ومنها ما هو منصوص على اعتبارها، ومنها ما ليس كذلك، وهذا الثاني إما أن يندرج تحت أصل من أصول الشريعة، أو جنس من المصالح المعتبرة، فيحقق مقصدًا من مقاصدها، أو يتناقض مع أصوله ومقاصده، وتتعارض مع نصوصه المقررة.

ولذلك قسمها الأصوليون إلى أقسام مختلفة، تتنوع بحسب كل اعتبار من الاعتبارات إلى أنواع ( [23] ) ومن التقسيمات الأصولية للمصالح، تقسيمهم لها:

أولًا: من حيث نظر الشارع إليها بالاعتبار أو عدمه. وهي من هذا الجانب، تنقسم إلى ثلاثة أقسام ( [24] ) : 1ـ المصالح المعتبرة: وهي المصالح العامة، والمصالح الخاصة المنبثة في جزئيات الشريعة، والتي تستهدف تحقيقها في الحياة الإنسانية، من خلال ما شرعت من الأحكام المختلفة في كل المجالات: العبادات، والمعاملات، والعادات. بمعنى المصالح التي نصت الشريعة على اعتبارها في جزئياتها وكلياتها. 2ـ المصالح الملغاة: وهي المصالح الإنسانية التي أهدرتها الشريعة، ولم تعتبرها، لا باعتبار كونها مصالح، وإنما باعتبار ما يسفر عنها، أو عن وسائلها من مفاسد أو أضرار تربو على تلك المصالح. 3ـ المصالح المرسلة: وهي تقع في منطقة الوسط بين الأولى المعتبرة، والثانية المهدرة. وهي المصالح التي لم يرد نص في شأنها بالاعتبار، ولا بالإلغاء، إلا إنها مما تندرج تحت أصل عام من أصول الشريعة، أو مما تحقق مقصدًا من المقاصد المعتبرة، أو تدخل ضمن جنس من المصالح الشرعية.

وعلى هذا، فكل مصلحة راجحة ثابتة قطعًا عن طريق الاستقراء والتتبع، تعتبر أصلًا شرعيًا ثابتًا، يجب العمل بمقتضاها، ولو لم يرد فيها نص أو إجماع أو قياس خاص؛ لأنها بذلك تكون مؤيدة بروح الشريعة ومقاصدها ( [25] ) . والمصالح العامة التي اعتبرتها الشريعة الإسلامية، هي مقاصدها العامة التي جاءت من أجل تحقيقها في الحياة الإنسانية، لذلك دعت إلى المحافظة عليها، وتنميتها، ودرء كل عوامل الاختلال عنها.

ثانيًا: تقسيم المصالح من حيث مراتبها: وقد ثبت بالاستقراء أيضاًَ أن هذه المصالح العامة المقصودة شرعًا على ثلاثة مراتب، وهي تشمل جميع المصالح الإنسانية في شتى مجالات الحياة، وهي على النحو الآتي ( [26] ) : أولًا: المصالح الضرورية: وهي المقومات والعناصر الأساسية اللازمة للحياة الإنسانية، التي لا تقوم الحياة بدونها، ويقوم عليها صلاح الناس في الدنيا، وسعادتهم في الأخرى، وإنا انخرمت أصاب الحياة الاضطراب، والهلاك، أو ما يقارب الهلاك في الدنيا، والخسران في الأخرى، وتكون حياة الناس أقرب إلى البهيمية، منها إلى الإنسانية.

وهي المصالح الثابتة أبدًا، والتي اتفقت معظم الشرائع على اعتبارها، والمحافظة عليها.

وهذه المصالح التي تقع في هذه المرتبة، تنحصر في الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والعرض، والمال. وقد دعت الشريعة الإسلامية للمحافظة عليها من جانبين ( [27] ) : الأول: الجانب الإيجابي: وذلك بأن شرعت أحكامًا، تدعو إلى إيجادها في الحياة الإنسانية، فتحقيق الدين في الحياة لا يكون إلى بإرسال الرسل، والدعوة إليه بالحجة والبرهان، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتعليم والإرشاد والتربية، وبإقامة الشعائر الدينية، وأصول الأخلاق، وما إلى ذلك. والآيات والأحكام الشرعية في ذلك كثيرة معلومة.

هذا في الدين، الذي يقع في المقام الأول من وجوب إيجاده، والمحافظة عليه، وتنميته. وأما النفس الإنسانية، فيكون إيجادها عن طريق الدعوة إلى الزواج أولًا، ثم إحلال الطيبات، والتمتع بها، وما إلى ذلك من الأحكام الشرعية التي دعت إلى إيجاد النفس، والمحافظة عليها من هذا الجانب الإيجابي. وأما العقل، فيكون إيجاده، بما شرعت من وجوب التعقل والتفكر في مخلوقات الله، واستثمار الطاقة العقلية في الخير، والوصول إلى الحقائق الإيمانية والعلمية، وبما دعا إلى التعليم في تنمية العقل، وتوسيع المدارك الإنسانية، التي ميزها الله على سائر المخلوقات بهذه الخاصية، وأناط به التكاليف الشرعية، وأهلها به للاستخلاف في الأرض، وإعمارها بمنهج الله سبحانه تعالى. ودعت إلى إيجاد النسل، بما شرعت من الطرق المشروعة لإيجاده، كالزواج، وتكثير النسل، مع حسن الرعاية، وتوفير الأساسيات اللازمة لإقامته، والمحافظة على العرض، بما ألزمت الناس بالقيم والأخلاق الكفيلة بالمحافظة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت