هذا، وسياسة التشريع الإسلامي - التي تعالج الأحوال والظروف والمتغيرات في كل زمان ومكان، وترسم لها الحلول والأحكام التي تحقق مصالحها عدلًا - تعتمد فيما تعتمد عليه - في تحقيق المصالح الإنسانية، وتقدير الوقائع، وفق ظروفها المحتفة بها - على هذا الميزان التشريعي (العدل) ومقرراته ( [15] ) . ولذلك كان أي طريق أو وسيلة تؤدي إلى تحقيق العدل واقعًا، فهي من الشريعة، وإن لم ينص عليها، وأي طريق أو حكم تنكب طريق العدل، فليس من الشريعة، وإن أدخل فيها بالتأويل، يقول ابن القيم في هذا:".. فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العدل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، ورضاه وأمره ... والله تعالى بين بما شرع من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل، فأي طريق استخرج بها الحق، ومعرفة العدل، وجب الحكم بموجبها، ومقتضاها .." ( [16] ) .
وقوله:".. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور .. فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل" ( [17] ) . والتشريع الإسلامي يعمل على تحقيق العدل عمليًا في الواقع الإنساني في كل الأحوال والظروف: العادية، والاستثنائية، بما وضع من أصول وقواعد ومناهج وخطط تشريعية، تضبط مسار عملية الاجتهاد التطبيقي، وتسدِّد خطى المجتهد، في إطار تلك المشروعية، حتى لا تنحرف العملية الاجتهادية عن مسار هذه الأصول، ولا تصطدم بالمقاصد العامة للتشريع الإسلامي واقعًا، وبذلك يتحقق العدل والمصلحة. ولذلك ينبغي أن تعمل كل جزئية من جزئيات تطبيق الشريعة على تحقيق العدل والمصلحة الشرعية في الواقع الإنساني؛ وإلا أضحت مضادة للمقاصد العامة للتشريع، والجزئي يجب أن يعمل في إطار كليه، لا أن يتناقض معه ( [18] ) . وعلى هذا، فإن الشريعة في مصادرها ومواردها، وفي قواعدها وأحكامها، هي العدل بعينه، لأنها شرع الله، وشرعه هو العدل المطلق، لا محالة.
لذلك فإن هذا المفهوم العام الكلي ـ مراعاة الظروف في التشريع الإسلامي ـ هو العدل بعينه، ويرتكز على قاعدة العدل، ويستهدف تحقيق العدالة في الحياة الإنسانية، في كل المجالات، وفي كل الأحوال والظروف؛ الاستثنائية، فضلًا عن العادية.
والعدل متجسد في قواعد هذه المراعاة وأحكامها وحلولها، فالاستحسان حينما يستثني بعض الجزئيات من حكم أصلها، فإنه يلبي المصلحة، ويحقق العدل، وسد الذرائع حينما يقيد بعض الحريات العامة، أو الحقوق الخاصة، نظرًا لما يترتب عليها من مفسدة، أو مضرة، فإنه يحقق المصلحة والعدل؛ ذلك أن إطلاق الحرية العامة في كل الأحوال والظروف، وعدم تقييدها بالمصلحة، ولو أسفر عنها مآل ممنوع - في ظرف من الظروف، أو حال من الأحوال - ظلم، والظلم نقيض العدل. والعدل متجسد في المصلحة التي هي من قواعد هذه المراعاة، ومقاصدها.
وظائف العدل في التشريع الإسلامي: ينهض أصل العدل في التشريع الإسلامي بجملة من الوظائف العملية الهامة، منها: الموازنة بين مطالب الدنيا والآخرة، والدين والدنيا.
1 -... الموازنة بين مطالب الروح والجسد والعقل.
2 -... الموازنة بين المصالح الإنسانية المتعارضة، سواء بين المصالح نفسها من حيث العموم والخصوص، أو الأهمية أو أدنى منها. وبين المصالح والمفاسد، شدة وضعفًا، وبين المفاسد نفسها، شدة وضعفا أيضًا.
قاعدة المصالح: ثبت بالاستقراء أن الشريعة الإسلامية جاءت من أجل تحقيق مصالح الإنسانية، بجلب المنافع لها، ودرء المفاسد والأضرار عنها، في الدنيا والآخرة، والحال، والمآل، في كل الظروف والأحوال. وهذه المصالح التي تتغياها الشريعة الإسلامية، منبثة في كل جزئياتها، فضلًا عن أصولها وقواعدها، لتكون بكل ذلك بناءً متكاملًا، يطلق عليه الأصوليون، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. والمصلحة من حيث هي مصلحة، لا تعرف بالأهواء، ولا بالنظر العقلي المجرد، ولا بالاعتبار الذاتي، وإنما توزن بميزان الشرع، وإن كان للعقل دور في تفهمها وتعقلها. قال الشاطبي:"إن كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم، والمفسدة كذلك، من وضع الشارع" ( [19] ) . وبما أن التشريع الإسلامي غائي، يستهدف مصالح الناس، ورعاية حقوقهم، بجلب النفع لهم، ودرء الضرر والمفسدة عنهم، في كل الأحوال والظروف: العادية، والاستثنائية؛ فإن معنى ذلك أن هذا الميزان الدقيق العادل في مراعاة الظروف والأحوال، إنما هو قائم على هذا الاعتبار، وهو تتبع الوقائع المختلفة، بظروفها الملابسة، بوضع التشريعات أو الحلول اللازمة لتحقيق المصالح، وإرساء العدل.
تعريف المصلحة: المصلحة هي عبارة عن جلب منفعة، أو دفع مضرة أو مفسدة ( [20] ) .