المطلب الأول
قاعدة العدل والمصلحة ومراعاة الظروف والأحوال
العدل هو أساس التشريع، وهو مبنى الشريعة، ومقصدها الأسمى، والآيات في ذلك كثيرة معلومة. وقد ذكر القرآن أن العدل هو الغاية من بعث الرسل وإنزال الكتب، وتشريع الشرائع، كما في قول الله تعالى:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .." [سورة الحديد: 25] . قال الجويني:".. والأنبياء عليهم السلام مبعوثون بحسم المراسم، والدعاء إلى قصد الأمور" ( [1] ) . أي العدل.
وعلى هذا، فشرع الله هو العدل بعينه، نصًا، وروحًا، وكذلك ينبغي أن يكون تطبيقًا في واقع الحياة الإنسانية في جميع المجالات، ليتحقق العدل المطلق واقعًا، في كل المجالات، في كل الظروف والأحوال العادية والاستثنائية، كما أراد الله (العدل المطلق) سبحانه وتعالى. لذلك قال ابن القيم:".. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها .. فالشريعة عدل الله بين عباده .." ( [2] ) . ولقد تجسدت في التشريع الإسلامي جميع معاني العدل، أصولًا ومقاصد وفروعًا، بمعنى أن مبتناه على العدل والحق، وهو في نفس الوقت يتغيا العدل في جميع تشريعاته، تحقيقًا للتوازن والوسطية في كل الأمور، وبذلك كله تتحقق جميع المصالح الإنسانية العادلة، الفردية منها، والجماعية، ويتحقق الأمن والاستقرار، وعلى أساس كل ذلك تشاد الحضارات، دون افتئات، أو عبثية، أو حيف.
مفهوم العدل: والعدل الذي هو أصل التشريع الإسلامي [3] ، وغاية من غاياته الكبرى، التي يستهدف تحقيقها في الحياة الإنسانية، تحقيقًا للمصالح الإنسانية، مفهوم واسع، تدخل فيه كل معاني الفضائل والقيم والأخلاق ( [4] ) . لذلك قال العلماء: إن أجمع آية في القرآن الكريم، هي قوله تعالى:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان .." [سورة النحل: 90] ( [5] ) .
قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: " ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام، وأمر ونهي، من هذه الآية"إن الله يأمر بالعدل والإحسان .." [سورة النحل: 90] ( [6] ) ."
والعدل هو قوام الأمور كلها، وهو من الأصول الأساسية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي الشامل للأمة الإسلامية ( [7] ) . والعدل بهذا المفهوم العام الواسع يقتضي أن يكون معناه:"وضع الأمور في نصابها، وإعطاء كل شيء حقه من غير زيادة، ولا نقصان، والذي ينشأ عن معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، ومعرفة حدودها، وغاياتها، ومنافعها" ( [8] ) .
والعدل الذي هو أصل الشريعة وغايتها، يتجسد مفهومه في تحقيق المصلحة، التي هي الغاية والمقصد من التشريع، فهو ليس معنى ذهنيًا مجردًا، بل معنى عملي متمثل في"المصلحة المعتبرة شرعًا" ( [9] ) أي في تلبية جميع متطلبات الحياة الإنسانية اللازمة، في توازن تام، مع تجسيد لمعاني الحق والخير، ووضع الأمور في نصابها في كل الوقائع والأحداث، ومراعاة للظروف والأحوال العادية والاستثنائية. لهذا يقول ابن القيم:"فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ودينه" ( [10] ) ، ولاشك أن شرع الله ودينه، هو العدل بعينه، وهذا ابن رشد يفسر أصل الاستحسان بأنه"التفات إلى العدل والمصلحة" ( [11] ) ، والعز بن عبد السلام يقول في هذا الشأن"ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن في ذلك نص ولا إجماع، ولا قياس خاص؛ فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك" ( [12] ) . بمعنى أن الشرع ومقاصده يوجب تحقيق هذه المصلحة واعتبارها، ودرء هذه المفسدة، وإلغائها، تحقيقًا للعدل المقصود شرعًا.
وقد نظر الإسلام إلى العدل نظرة عامة شاملة، كان لها أكبر الأثر في توجيه التشريع العام الذي ينظم كافة العلاقات والمعاملات الإنسانية، سواء كانت بين المسلمين بعضهم مع بعض، أم كانت بين المسلمين وغيرهم ( [13] ) . وعلى هذا؛ فإن العدل أصل من أعظم أصول التشريع الإسلامي، بل هو أصل الأصول في الإسلام، فأينما تحقق كان التشريع الإسلامي معه.
فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على الكوفة: إن أقوم الدين العدل والإحسان" ( [14] ) ."