فهرس الكتاب
(( أفشوا السلام ) )يعني بناء قاعدة المتجمع الصلب الذي يطمئن أهله لبعضهم البعض، وهذه الكلمة يقولها القائد الذي تستقبله المدينة لتضع نفسها ومقدراتها بين يديه فيسير بهم إلى مهمات خير أمة أخرجت للناس، وهذا يعني أنه في كل ما يفعل ويقوله إنما هو سلم لهم، وأمان لحياتهم، فهو لا يدعوهم لهذا ثم يسر مع الملأ الخاص به مكرًا وخديعة وسلبًا، بل هو أعظم وأولى من يشيع هذا السلم، فهو المحب لهم الرفيق بهم الحريص على أمنهم وحياتهم وسعادتهم، وهذا المنهج النبوي في دعوة هذا المجتمع إلى السِّلم الداخلي للمجتمع المؤمن هو على الضد من مناهج الجاهلية الحاكمة والتي لا يدوم وجودها ولا يستقر حكمها إلا باستثمار التناقضات والخصومات بين هذا المجتمع، فهي لا تفتأ تثير هذه الخصومات واستثمارها من أجل فرض نفسها كحاجة ضرورية في ضبط الخصوم وتحقيق معادلة التساوي بينهم، ولو أدرك هؤلاء الخصوم هذا لسارعوا إلى نبذ هذه الخصومات لمنع هذا المستفيد من هذا الاستثمار، والحال في هذا كما كانت المدينة قبل مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، فقد كان هناك الأوس والخزرج، وكانت بينهما خصومة وثأر يشعلها اليهود وأولياؤهم، ومن خلال هذه الحروب والخصومات يتم النفاذ إلى مقاصدهم في هذا المجتمع، وهذا في زماننا اليوم سياسة عامة لطواغيت الكفر الأصليين والمرتدين، فما من بلد إلا وتجري عليه قاعدة اثارة التناقضات والخصومات حتى يتم تحصيل الهلكة والسيطرة عليهم.
ثمّ إن إفشاء السلام يقتضي المقابلة والمحادثة مضادة للهجران والتدابر كما في الحديث (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) ). وبهذه المقابلة تزول الوحشة التي يصنعها البعد، فإن اجتمع مع السلام المصافحة كما هو حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك أنس في سؤال قتادة له:- أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولذلك قال عطاء الخرساني: تصافحوا يذهب الغل كما ذكرمالك في الموطأ وهذا الذي قاله عطاء مجرب فإنه قد يجري بين الاخوان بعض ما يغير القلوب فما أن يصافحه ويبتسم في وجهه حتى ذهب كله أو أكثره، وبهذا صار السلام وسيلة لفض الخصومات واذهاب الشحناء من القلوب، فإن عجز المرء من لقاء أخيه والسلام عليه أرسل له السلام لدوام الود والحب بينهما.
القطيعة والبعد يعني أن مجال استثمار الشيطان وجنده قد فتح لينمو بينهما الشر ومقالة السوء ودساسي الشر من الأنس خاصة، ومن نفس الإنسان كذلك بما يخيل له من الشر ووسوسته الشيطان فيها.
هذا هو بعض جوانب الركن الأول في تمتين الصف الداخلي لأي مجتمع، وهو مع سهولته إلا أنه عظيم الجانب، ومن غفل عنه غفل عن أمر عظيم، ومن تفكر فيه وما يقع له في الحياة من أمور وما يقع في المجتمعات لعلم أن هذا السلام هو أحد مكونات وراثة الأرض للإنسان ولذلك كان مما عُلِّمه أبونا آدم عليه السلام في السماء قبل نزوله إلى الأرض كما في الحديث (( أن الله لما خلق آدم عليه الصلاة والسلام قال له:- اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال:- السلام