فهرس الكتاب
إن هؤلاء الذين يحقرون هذه الأمور هم أنفسهم يعبّرون عن انحيازهم لثقافة الجاهلية المعاصرة وابتعادهم عن (التخلف كما يزعمون) من خلال مظاهر سلوكية ولفظية، فإن الأديب الكاتب المثقف اليوم لا يتوانى في دس المصطلحات المستوردة، أو كلمات الانحياز الجاهل في كلامه تعبيرًا عن موقف له، وعن دين يتبعه، وهو في هذا كذلك يعرض بإرادة مسبقة عن تحية الاسلام إن دخل أو خرج لأنه يعتبر أن التمسك بها هو اعلان هوية وتمسك بطريقة وانحياز لدين أو لثقافة.
إنك تستطيع أن تحكم على قلب المرء وعقله، وعلى منهجه ودينه من خلال شعاراته السلوكية واللفظية، وهو كذلك يريد ذلك ويقصده، وأما من لا يريد ولا يقصد فكفاه أن يقال فيه أنه مغفل سقط في خداع الآخرين وصار جزءًا منهم وهو لا يشعر ولا يدري.
الأمة لا يمكن أن تنطلق إلى الآخرين إلا بأمور عدة أهمها قوة البناء الداخلي وثانيهما تميز هذه الأمة عن الآخرين، ذلك أن الضعف الداخلي يعني جاهزية هذه الأمة للغزو والاستلاب، والتاريخ يعلم العقلاء أن الشعوب والحضارات لا تعرف السكون، وأن التاريخ لا يعرف التعادل الساكن بلا صراع بين القوى، ولذلك فإن الأمة التي لا تذهب إلى الآخر خي أمة ستسلب وفيها جاهزية السلب كذلك، وأن خير طريقة لدفع هذا هو الانطلاق، أما الاستجابة التي وقعت في عقول المسلمين اليوم لدعوى السلام العالمي واحترام مبادئ العيش المشترك أي التعادل الساكن فإن هذا لا وجود له، ومن آمن به ممن نفى جهاد الطلب من المسلمين فإن واجب الحياة يعلمه أن هذا التعادل لا يكون إلا من خلال قوة الدفع الداخلي للأمم والشعوب أي التنافس والحضور.
أما فقدان التميز فقد ينشأ من فقر ثقافة هذه الأمة من أن تملأ الحياة فيضطر المجتمع إلى استيراد دين وثقافة وحياة الآخر، وإما ينشأ من خلال شعور الهزيمة أمام الآخر، بسبب تقديسه أو تعظيمه، ولذلك فهذه التي يصر هؤلاء القوم على تسميتها قشورًا أو مظاهر إنما أوصلهم لهذه الحالة هو فقدانهم شعور الامتلاء الذي يحققه هذا الدين لأهله، وأنه دين يستوعب الحياة كلها صغيرها وكبيرها، وهم في تسمية هذا صغيرًا لما يأتي من ديننا نراهم يتقفرون هذه المظاهر ويتقيدون بها على وجه التقديس، فهم لا يمكن أن يخرجوا للناس بلا لباس معين أو هيئة ما في لباس أو سلوك، فإن كانت هذه مظاهر وقشور كما يقولون لما كان منهم هذا التقيد الذي هو أشد متابعة من متابعة المسلم لأوقات الصلاة.
لقد حرص الآخر على هذه (( القشور ) )عندما حمل ثقافته إلينا، وفرض دينه على أمتنا، فلا عجب أن يكون مترافقًا مع تدريس هذه الثقافة وجوب لباس معين يلزم الطالب أن يتقيد به، وقد اقترن بهذا الايجاب والالزام في أذهان الناس نوع الثقافة مع صورة الهدي الظاهر للإنسان.