فهرس الكتاب
وهي شعار العلاقة بين المسلمين، فإن رفعها من أحدهم يعني موقفًا سلوكيًا مغايرًا لما هو مطلوب، ولذلك قال أهل العلم:- إن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ترك السلام ابتداءً وردًا على من أتى شرًا وفسادًا أو بدعة أو حدثًا حتى يرجع عن ذلك، واستدلوا بما وقع منه صلى الله عليه وسلم مع كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه في حادثة المخلفين، إذ كان كعب يسلم على النبي ويتعمد أن يصلي خلفه فلا يدري كعب هل حرك رسول الله صلى الله عليه وسلم شفتيه برد السلام أم لا.
ولما كانت كذلك فإن المسلم لا يبتدئ الكافر بالسلام كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:- (( لا تبدؤوهم بالسلام ) )وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال آخرون إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وهو متوجه إلى بني قريظة فقال لأصحابه رضي الله عنهم:- (( لا تبدؤوهم بالسلام ) )،وقد جاء في الحديث:- لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام )) وهو لفظ عام يفيد حكمًا عامًا والله أعلم.
هذه التحية وهذا الشعار ليس من نافلة القول الحديث عنه، لأنك ستجد من بني قومك ممن يزعمون الفقه والنظر لا يقيمون لهذه الأمور شأنًا بحجة أنها قشور، وأنها من زوائد الحياة لا من أصولها، وللرد على هؤلاء يحتاج إلى فتح أبواب كثيرة لكن يكفي هؤلاء غلطًا أنهم جهلة في الدين وجهلة في الحياة وسننها، أما جهلهم في الدين فواضح بين، وذلك بالمقارنة بين ما يقولونه وما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في هذا الجهل يغيب عنهم قيمة"الحسنة"التي هي مفتاح الجنان، ولغياب هذه القيمة من قلوبهم فلو قيل لأحدهم: لك في هذه الكلمة عشر حسنات لما نشط لهذا الفعل، والمسألة مسألة قلوب، وما تحب وما تكره، فإن المرء يندفع إلى ما يحب ويرغب، وإلى ما يؤمن ويصدق، أما جهلهم بالحياة وسننها فإن أهم ما يجب على المرء أن يتعلمه في هذه الحياة هو كيفية حسن التواصل مع الآخرين، ومما هو معلوم أن هذا الفن هو باب كل فنون الحياة وأعمالها، واتقان المرء لهذا الفن هو مقياس نجاح المرء أو خسارته.
ثمّ إنه مما يعلم أن البشر منذ أن عُرِفوا إلى يومنا وهم يبذلون في الحفاظ على كيانهم ووجودهم الجهود الكثيرة ليتحقق لهذا الكيان والوجود التميز عن الآخرين، وإن من أعظم ما يحقق هذا التميز هو لفظ التحية، ولذلك كانت كلمة (( السلام عليكم ) )اعلان هجران لمجتمع الجاهلية ودينها، وذلك من خلال هجران تحية الجاهلية، وتمسك المسلم بهذه التحية هو اعلان تمسك المرء بمنهج، خاصة عند وجود الصراع بين المناهج، وعندما يصبح وجود المسلم وهويته مهددة من قبل الآخرين.
قد يقولون:- هل هذا ما ينقص الأمة؟ الجواب:- إن الأمة قد تناثر أفرادها وتحطمت أوعيتها الجامعة، وتشوهت خويتها ولذلك لابدّ من ترميم هذا كله من خلال هذا الاعلان التي يسمونها مظاهر والتي تعد كالصوى التي يتجمع حولها أصحاب المبدأ الواحد.