فهرس الكتاب
كلاهما نافع بينهم وعلى معنى واحد من تحقيق ارضاء الله تعالى وتقوية أواصر الحب بينهم، ذلك لأن المجتمعات والحضارات والدول لا تنهار من خارجها كما يشهد لذلك التاريخ، إنما يكون الانهيار من داخلها، وتفككها بانتشار القطيعة والتنافس والحقد والحسد والبغضاء يؤدي إلى زوال هذه المجتمعات مهما كان أمرها ولذلك قال تعالى (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) )
ومن فضائل هذه التحية أنها تبذل على وجه التواضع للإخوان والآخرين، ولذل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم سنة تسليم الصغير على الكبير، والمار على القاعد والراكب على الماشي والقليل على الكثير.
فالسلام الذي هو أمان بين الناس، ووسيلة نشر الحب لدخول الجنان، وباب تواضع بين المسلمين فهو يحقق ولاية الله للعبد لقوله صلى الله عليه وسلم:- إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام )) ،هذا مع حصول الحسنات ففي السنن أن رجلًا جاء فقال:- السلام عليكم، فردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: عشرة، ثم جلس، ثم جاء آخر، فقال:- السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال:- عشرون، ثم جلس، وجاء آخر فقال:- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ثلاثون.
فهذا الركم العظيم في بناء المجتمع المسلم الذي يحقق رضى الله تعالى، وهو صناعة باطن الانسان المسلم وتزكيته من خلال تزكية صلاته اللفظية بينه وبين اخوانه، والسلام هذا شعار والشعار يعني أن وراءه معاني وأعمال أخرى هي من بابه، فأول ما تفيد هذه التحية التي لا يتكلم المرء مع اخوانه كلمة قبلها، بل يبتدئ بها أن المسلم حَسَنُ اللفظ، إذ بها يفتتح حسن الحديث، هذا مع ما يرافقها من قوله صلى الله عليه وسلم:- تبسمك في وجهك أخيك صدقة.
فإن المرء لا يتصور منه أن يبدأ أخوانه باسم الله تعالى، وبتأمينهم وتواضعه لهم ثم يخيس ذلك كله فيما بعد، بل المرء إن كان مطلعه حسنًا كان ما بعده حسن كذلك، ولذلك لما يقوم إنما يقوم بهذا الحسن الذي دخل فيه أي بكلمة السلام عليكم.
ما يقابل الأمان هو الخوف الذي يصنع القطيعة والتدابر والحذر المرضي المفضي للقتال والهجران، ويقابله كذلك الشك الذي يؤدي إلى الفتن وخراب الأمم.
هذه التحية العظيمة هي منهج حياة المسلم مع اخوانه إذ يندرج تحتها كذلك الصدق في القول، وأمانة العهد، وحفظ الحقوق، وصيانة الأعراض، ورد العدوان عن الاخوان، ونصرة المظلوم.