الصفحة 12 من 29

وهذه (أي اطعام الطعام) هي سيرة أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام، فإن الكرم في العربي إنما سرى فيهم من خصاله وخصال ابنه اسماعيل عليه السلام، وقد ذكر الله عنه هذه الخصلة، وهي طريقة قيامه بحق أضيافه من الملائكة قبل أن يعلم شأنهم كما قال تعالى في سورة الذاريات:-

هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين، اذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء فعجل سمين، فقربه إليهم قال: ألا تأكلون )) وقد ذكر العلامة ابن القيم فوائد عديدة في هذه الآيات في باب الضيافة والكرم فلتراجع، ولكن أهم ما فيها في بابنا هذا هو تقديمه خير ما يقدم وهو العجل السمين، فإن العجل السمين أطيب لحمًا لصغره، وأكثر لحمًا لسمنه، وقد قدمه إليهم حينذًا كما في سورة هود، أي مشوي، وهو أطيبه لهم، هذا مع أنهم غرباء عنه، والمرء لا يخاف عيب الغريب المار بخلاف المقيم، ومع ذلك قدّم لهم خير ما يملك، بل وقام على خدمتهم بنفسه وهو نبي الله وخليله.

وأما ما ورد عن الصحابة في هذا فشيء كثير ومنه ما رواه الطبراني في الأوسط بسند جيد كما قال الهيثمي عن أنس رضي الله عنه قال:- دخل عليه قوم يعودونه في مرض له فقال:- يا جارية هلمي لأصحابنا ولو كسرًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:- مكارم الأخلاق من أعمال الجنة.

وفي الأدب المفرد أن عليًا رضي الله عنه قال:- لأن أجمع ناسًا من أصحابي على صاع من طعام أحب إليّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فاعتقها.

وأكثر ما يميز انفاق الصحابة رضوان الله عليهم أنهم لا يمتنعون من القليل فقد أخرج ابن سعد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:- كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة (أي آنية السمن) ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها.

وعنده كذلك من حديث عروة بن الزبير قال: أدركت سعد بن عبادة وهو ينادي على أُطمه (أي بيته) : من أحب شحمًا أو لحمًا فليأت سعد بن عبادة، ثم أدركت ابنه قبل ذلك يدعو به.

وعنده كذلك عن الحسن بن حكيم عن أمه أنها كانت لأبي برزة رضي الله عنه جفنة من ثريد غدوة وجفنة عشية للأرامل واليتامي والمساكين.

فلا خير في مجتمع وأمة تحبس فضول أموالها عن المحتاجين، وهي إن فعلت ذلك إنما تجر على نفسها الخراب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها:- (( لا توكي فيوكي الله عليك ) )، فإن منع المال وإن أدى إلى تجميعه في الحال إلا أن عاقبته الزوال في المآل، ولذلك كانت أسماء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت