الصفحة 13 من 29

أجود الناس كأختها الصديقة عائشة كما في الأدب المفرد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال:- ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء- رضي الله عنهما- وجودهما تمسك شيئًا لغد.

ومما ذكر عن خصال أمير المؤمنين عمر الفاروق في هذا ما رواه عمير بن سلمة الدؤلي رضي الله عنه قال: بينا عمر رضي الله عنه نصف النهار قائل في ظل شجرة وإذا أعرابية، فتوسمت الناس فجاءته، فقالت: إني امرأة مسكينة ولي بنون، وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعيًا فلم يعطنا، فلعلم- يرحمك الله- أن تشفع لنا إليه، فصاح بيرفأ (خادمه) أن ادع محمد بن مسلمة. فقالت:- إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، فقال:- إنه سيفعل إن شاء الله. فقال: أجب، فجاء، فقال:- السلام عليك يا أمير المؤمنين، فاستحييت المرأة منه، فقال عمر: ما آلو (أي لا أقصر) أن اختار خياركم، كيف أنت قائل إذا سألك الله تعالى عن هذه؟ فدمعت عينا محمد، فقال عمر: إن الله بعث نبيه فصدقناه، واتبعناه، فعمل بما أمره الله، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك، ثم استخلفت أبابكر فعمل بسنته حتى قبضه الله، ثم استخلفني فلم آل أن اختار خياركم، إن بعثتك فأدّ إليها صدقة العام، وعام أول، وما أدري لعلي أبعثك، ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقًا وزيتًا، وقال:- خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر، فإنا نريدها، فأتته بخيبر، فدعا لها بجملين آخرين، فقال:- خذي هذا فإن فيه بلاغًا حتى يأتيكم محمد، فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام دعا أول (أخرجه أبو عبيدة في الأموال)

وعند البخاري قصة أخرى شبيهة فعن أسلم قال:- خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت:- يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كرامًا (أي لا يملكون يد شاة) ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضبع (وهو الحيوان المعروف لكن مقصودها الجوع والجدب) ، وأنا بنت خفاف بن أيماء الغفاري، وقد شهد الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال:- مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير (أي قوي) كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا، وجعل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها خطامه، ثم قال: اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها!!

فقال عمر:- ثكلتك أمك!! شهد أبوها الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها وقد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحناه، ثم أحصبنا نستفيء سهماننا فيه.

فهذه خصلة المؤمنين البارزة فيهم، وهي السارية فيما بينهم، إذ الكرم هو سمتهم، فلا يبخلون، بل يكرمون ثقة بالله تعالى وبوعده.

واعلم أن الجوع يقتل الفضائل، ويهين النفوس، اذ أنه أول ما ينشر في النفوس الهوان، لأنه يدفع للسؤال ومن مدّ يده للناس ذهب من كرامة نفسه الكثير، ولذلك جاء في الحديث أنه ما تزال المسألة في المرء حتى يأتيه يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، وقد علم من كلام الحكماء قصة مفادها أن غازيًا حاصر مدينة، فأشار عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت