فهرس الكتاب
بعض خاصته أن يحاصرها حتى يجوع أهلها فتضعف وقال له دعني اتخفى وأدخل عليها فأرى حال أهلها، فأذن له ففعل، فدخل حتى أتى صاحب متجر فسأله شيئًا يشتريه، فأعطاه إياه واشتراه، ثم سأله حاجة أخرى فطلبا من التاجر أن يذهب إلى جاره ليشتري منه هذا الشيء وقال له:- لينتفع جاري منك كما انتفعت، فلما رأى هذا الناصح رجع للملك وأخبره أن هذه القرية عصية عليه بما فيه من قوة، وسأله أن يحاصرها حتى تجوع، ففعل، فلما مضى زمن طويل جاع فيه أهلها، ذهب هذا الناصح ودخل القرية وأتى صاحب المتجر واشترى منه شيئًا، ثم سأله شيئًا آخر فقدمه وآخر وآخر ولم ير منه ما رأى سابقًا، فقال له:- هلا ذهبتُ إلى جارك لأشتري منه؟ فقال له التاجر: لا تفعل، وجعل يذم جاره ليصرفه عنه، فعلم هذا الناصح أن الفقر قد قتل فضائل هذه القرية، وبهذا صار أمر هزيمتها سهل ميسور، وهذه سياسة متبعة إلى يومنا هذه من قبل الغزاة والمجرمين، فإنهم بنشر الجوع والفاقة في الشعوب يسهلون انتشار قيم الجاهلية حيث تنتشر السرقة والخيانة والكذب، وينتشر الزنا وبيع الأعراض، وبيع الذمم، كما يسهل بالجوع التقاط الساقطين في أيدي الملأ أو الغزاة والمجرمين، ولذلك قال أحد هؤلاء الطواغيت -وهو وزير داخلية احدى نظم الردة):- إننا سنجيع هؤلاء (المتعصبين) حتى تبيع نساؤهم أعراضهن، والمرأة بالجوع يهون عليها عرضها حتى لو كانت في أصلها تقية صالحة كما جاء في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فإن أحدهم ذكر قصة ابنة عمه وكيف رضيت الفاحشة تحت وطأة الجوع، فبذل الطعام إنما هو تحصين للنفوس من الانزلاق في سبيل الشيطان وجنده.
ومما ينبغي نشره وتعليمه أنه من حق الفقراء أن يقاتلوا الأغنياء المترفين إذا منعوهم حق مالهم من الزكاة، فإذا جاز أخذ أموالهم على وجه المقاتلة فإن أخذه على وجه الحيلة والمكر أوضح جوازًا، ثم يزداد الأمر اباحة وحلًا إذا كان هؤلاء الأغنياء الترفين المعوزين في أمتنا بالمكر والقتل والحيلة في أخذ حقوقهم من الأغنياء المجرمين، وخاصة أن واقع الحال يبين أن غنى هؤلاء القوم إنما هو من السرقة ونهب أموال الأمة، بل وإن بعضهم غناه إنما هو من دماء هؤلاء الفقراء، وبعضهم لم يكن له بعض غنى إلا ويبيع الأمة ودينها ومقدراتها، ولو فقه أهل الاسلام هذا الأمر لما كان رزقهم إلا من يد هؤلاء المجرمين ومؤسساتهم المحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، وقد يقول معترض: لكن هذا يؤدي إلى فساد من جهات أولها:- انتشار هذه الأعمال التي تسمى بالسرقة والسطو حتى إنه سيقوم بها العصاة والمجرمون وليس المؤمنون فقط ممن يقوم بها على وجه الحكم الشرعي، ثم إنها أعمال تجر مفاسد على أصحابها بالسجن وغيره، وللجواب على هذا يقال:- أما انتشار هذه الأعمال فليس صحيحًا، بل هو تقليل لشر هؤلاء المجرمين، فإن أخذ الأموال منهم إنما يمنع الكثير من جرائمهم، وأما خوف انتشارها فإنها في الواقع منتشرة لكنها محمية بالقوانين والدولة والشرطة، فإن هؤلاء الملأ المجرمين يسرقون الملايين ويدمرون البلاد والعباد، أما مفسدة السجن فإن تقدير هذا يرجع للمرء، فإن البعض يقبل أن يسجن ولا يجوع، بل ربما يسجن ليغنى أهله حتى لا يقع فيهم الشر، ولذلك يترك تقدير هذا إلى المرء وعقله، بل يقال للمعترضين: لا تخافوا فإن هذه الفتاوى الحق لا يقوم لها إلا القليل من الرجال، وأما الباقي وهم الأكثر فقد استمرأ الذلة وعيش المهانة وبيع النفس من أجل الفتات.