فهرس الكتاب
لكن لو تفكر الناس بهذا ما لو انتشر وشاع لكان فيه قطع لهؤلاء المجرمين واذهاب شرهم، فإما أن يغيروا جهلهم وأما أن يرحلوا، فالمفسدة العظيمة ليست بأخذ سبل الحق، لكن المفسدة هي اعراض الناس عن هذه السبل، وسكوتهم عن المجرمين واللصوص الحقيقيين والملأ المترف والسفهاء من علية القوم، فلا تكون التهمة لمن أخذ بالحق فأوذي لكن العيب والتهمة لمن استكان وسكت وذل وقبل الهوان، وهذه المسألة كمسألة جهاد الطواغيت والمحتلين، فإن البعض يسب على المجاهدين إن قاموا ضدهم بحجة ما يترتب على ذلك من مفاسد، والحق أن هؤلاء لو فقهوا دين الله تعالى لكان عيبهم وسبهم موجهًا ضد السالكين أو الداخلين في دينهم، لأن وجود هؤلاء الساكتين والموالين للمجرمين هو سبب المفاسد والطامات، اذ لو التحق هؤلاء بالمجاهدين لتحقق النصر سريعًا، لكن وجودهم هو من عوق تحقيق مقاصد المجاهدين، فبدل أن ينفر الجميع مع المجاهدين ذهب هؤلاء الفقهاء الجدد يدعون المجاهدين للحوق بالساكتين أو الداخلين في دين المشركين والطواغيت.
وهذا الفقه وهو أخذ الحقوق التي حلّت للمرء على جهة الشرع هو أحد مفاصل الفروق بين مذاهب البشر المادية وبين دين الله تعالى، فإن الشرع يوجب من الحقوق وسبل التملك ما ينكره منكرو الأديان، وذلك مثل الغنيمة والفيء، ولما انتشر في الناس مذاهب الكفار صار الحديث عن التملك الشرعي مستهجنًا، فعموم الناس اليوم من المسلمين لا يتصورون تملك الأبضاع عن طريق الغنيمة كما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ) )ولو مرّ أحدهم على هذا الفقه في مظانه لتعجب واستغرب، والمؤمن عليه أن يعلم أن حل الشيء لا يكون بالتواضع؛ أي بما استقرت عليه أعراف الناس أو بما يجري على معنى الرضى منهم، بل إن الشيء في ديننا لا يحل إلى على جهة الشرع كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النساء: (( واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) )،فما حلّت امرأة لرجل بالاتفاق بينهما، ولا بما استقر به العرف، بل إنما تحل بكلمة الله؛ أي بشرعه ودينه، وكذلك الأموال، فإنها لا تحل بالرضى، إنما تحل بالشرع، والشرع هو من أوجب الرضى في بعض صور التملك، ومما يدل على هذا أن الوصية لا تجوز لوارث، مع أن الرضى واقع في هذا، لكن الشرع لم يقبل هذا الرضى ولم يعتبره بل أبطله.
فالقصد أن المؤمن يأكل ويشرب ويملك بما حلّ له من كلمة الله، فإن اشترطت هذه الكلمة رضى صاحب المال كان هذا المال حرامًا إلا بهذا الشرط كما قال الله تعالى (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) )وقوله (( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ) )لكن للأب أن يأكل من مال ابنه بغير رضاه، وللضيف حق في مال مضيفه على وجه الوجوب على وجه مخصوص، وللفقير حق في مال الغني كحق الدائن بل أشد، فإن منع الغني هذا الحق جاز للفقير أن يأخذه بأي وجه يستطيعه وبغير رضى المانع، والحجة في هذا حديث هند بنت عتبة رضي الله عنهما لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقها في مال أبي سفيان وقالت: إنه رجل شحيح، فأفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:- خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.