الصفحة 16 من 29

هذا كله إن كان مال الغني قد ملكه على وجه مشروع، ولهذا إن منع الغني زكاة المال قوتل على ذلك، بل إن بعض أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد، يقولون إنه يقاتل على الكفر إن منعها، وهم لا يقولون هذا في منع حق الدائن، فدل على أن منع الزكاة أشد في دين الله تعالى من منع الدين وحقوق المعاوضة.

أما إن كان هذا الغني قد ملك المال على وجه محرم كالخداع والغصب والسرقة والحيلة، فإن الواجب منعه من الانتفاع به، وإنما يؤخذ منه ليؤدى إلى أهله، فإن كان من حقوق العامة جاز للناس الانتفاع به بمقدار حاجتهم ثم يوصلونه لغيرهم بمقدار الكفاية ولا يزيدون حتى يؤدى إلى أكبر عدد من هؤلاء الناس.

فإن كان هذا الغني سفيها يبذر ماله وينفقه على وجه السف منع منه، وحيل بينه وبين اتلافه، فإن كان اتلافه على وجه المعصية اشتد وجوب هذا المنع وصار ألزم.

واليوم إنما تقوم أنظكة الردة والفساد على حماية كل هؤلاء المجرمين المترفين، بل إنما هذه الأنظمة هي هم هؤلاء، يمنعون حقوق الناس، ويسلبون مقدارات الأمة التي أجاعوها، وهم ينفقون ملايين الملايين لأعداء الأمة، ويضيعون هذه الأموال في مصارف هؤلاء الأعداء، كما أنهم ينفقونها في صفقات هي أشبه بحيلة السرقة والمكر والخداع، كل ذلك وغيره من صور الإجرام ثم تجد في أمتنا الفقر والفاقة والحاجة الشديدة، هذا وقد ضيقت عليهم سبل الحياة وكسب الحلال، ولا يصل للكفاية إلا من ملتاط قريب بالملأ، إذ يسرفون عليه من العطايا والأموال، وأما الكادح الجاد فبالكاد يقوم على كفاية شؤون حياته وشؤون أسرته، فلا تعرف سعة المال والحياة، ولا تعرف راحة الكسب السهل إلا من خلال اللصوص الكبار وعبيدهم وأهلهم، وبقية الناس في كدح شديد من أجل لقمة العيش والكفاية، وهذا كله من عذاب الله تعالى المسلط على هذه الأمة وسكوتها عن الظلم، فالفقراء في هذا هم مجرمون لقبولهم الهوان والذلة، ولسكوتهم عن مقاتلة المجرمين الذين يسلبونهم حقوقهم، ولذلك من موجبات الجهاد اليوم ضد المرتدين وجنودهم وأعوانهم هذا الباب الذي يجر على الأمم المفاسد العظيمة مالو استقر وبقي.

إن المدنية المؤمنة هي تلك المدنية التي يبذل أهلها لبعضهم البعض الطعام، وتحت هذا العنوان النبوي معاني عظيمة تتعلق بمنهج الاحسان والبذل والحب والرفق والقرب، فبالذل يقتل الشح، وبذهاب الشح تزول البغضاء، ويحل الحب والرفق، وما منع الربا إلا لهذا الوجه من المعاني كما قال تعالى (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) )وللمسلمين قدوة بالذاهبين من السابقين في هذا الباب العظيم في باب الكرم، وهي الصفة التي تكاد تتلاشى في زماننا، اذ الحبس والمنع صار يمدح، وأما المنفق الكريم فمستهجن غريب، ولولا بقية من رجال ونساء في هذا الباب ممن يقومون على حاجات الناس لكان حال الأمة بسبب الفقر شر حال، هذا مع ما يرون من علية القوم وأبناء الملوك وكبار الضباط والاقطاعييت يخوضون في مال الأمة بلا حسيب ولا رقيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت